تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٥ - الطور الرابع
اختياريّة لا إجبار فيه، لكن يرد عليه أن الإكراه غير الإجبار، لكون أحدهما طبيعيا و الآخر نفسانيا، فنفي أحدهما لا يستلزم نفي الآخر، بل الاعمال الشرعية- كالصلوة و الزكاة و غيرهما- لو أهملها المكلّف استحقّ للاكراه و الزجر، بل القتل، فكيف لا يجرى فيها الإكراه، و لهذا قيل: «الآية منسوخة».
و الأولى أن يقال: إن اللّه سبحانه لما بيّن دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر قال بعد ذلك إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر، إلا أن يقسر على الايمان و يجبر عليه، و ذلك مما لا يجوز في دار الدنيا- التي هي دار الابتلاء- إذ في القهر و الإكراه على الدين يبطل معنى الابتلاء و الامتحان.
و نظير هذا قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [١٨/ ٢٩] و قال في سورة اخرى وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [١٠/ ٩٩] و قال في سورة الشعراء:
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ* إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [٢٦/ ٣- ٤].
و ممّا يؤكّد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ يعني ظهرت البراهين و انكشف الحجج و البيّنات و لم يبق بعدها إلا طريق القسر و الإكراه و الإلجاء. و ذلك غير جائز لأنّه ينافي التكليف في هذه الدنيا.