تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٨ - اللمعة الرابعة
و تسعون تنّينا لكل تنّين- أي: حيّة- تسعة رؤوس ينهشونه و يلحسونه و ينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون» [١]
فلا تتوقف في الايمان به صريحا من غير تأويل، و لا تحمله على المجاز أو الاستعارة، بل كن أحد رجلين: إما المؤمن بظواهر ما ورد في الكتاب و الحديث من غير تصرّف و تأويل، أو العارف الراسخ في تحقيق الحقائق و المعاني مع مراعاة جانب الظواهر و صور المباني، كما شاهده أرباب البصائر ببصيرة أصح من البصر الظاهري.
و لا تكن الثالث بأن تنكر الشريعة الحقّة و ما ورد فيها رأسا و تقول: «إنّها كلّها خيالات سوفسطائية، و تمويهات و خدع عامية» نعوذ باللّه و برسوله من مثل هذه الزندقة الفاحشة، و لا الرابع بأن لا تنكرها رأسا و لكن تأويله بفطانتك البتراء و بصيرتك الحولاء إلى معان عقلية فلسفية، و مفهومات كليّة عامية فإن هذا في الحقيقة إبطال الشريعة، لأن بناء الشرايع على امور يشاهدها الأنبياء مشاهدة حقيقية لا يمكن تلك لغيرهم إلا بنور متابعتهم، و إن كان منشأ ذلك غاية القوة الباطنية العقلية.
فإن كنت من قبيل الرجل الأول فقد أمسكت بنوع من النجاة، لكن لا قيمة لك في الآخرة إلّا بقدر همتك في الدنيا، و لا مقدار لك في عالم المعنى إلا على مبلغ علمك بحقائق العقبى، و إذ لا علم فلا رتبة هناك، لأن كمال ذلك العالم هو عالم الحيوان، و قوامه بالنيات الحقة و العلوم الباقية، كالعلم اليقيني باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر، فغير العارف بمنزلة جسد بلا روح و لفظ بلا معنى، و مع ذلك فالنجاة فوق الهلاك.
و ذلك أيضا بشرط سلامة الفطرة عما يغيّرها من الأغراض النفسانية و بشرط
[١] الدر المنثور: ٤/ ٣١١.