تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٧ - اللمعة الرابعة
فاعلم أن مثال «العرش» في ظاهر الإنسان قلبه، و في باطنه هو روحه النفساني و في باطن باطنه هو نفسه الناطقة، إذ هو محل استواء الروح- الذي هو جوهر قدسي عقلي- عليه بخلافة اللّه في هذا العالم الصغير.
و مثال «الكرسي» في الظاهر هو صدره، و في الباطن هو روحه الطبيعي الذي هو مستوى نفسه الحيوانية، التي وسعت سموات القوى الطبيعية السبعة- و هي الغاذية، و النامية، و المولدة، و الجاذبة، و الماسكة، و الهاضمة و الدافعة- و أرض قابليّة الجسد كما وسع الصدر محالّ تلك القوى من الأعصاب و الرباطات و غيرها.
ثم العجب كلّ العجب أن العرش مع عظمته و إضافته إلى الرحمن بكونه مستوى له بالنسبة إلى وسعة قلب العبد المؤمن قيل: «إنّه كحلقة ملقاة في فلاة بين السماء و الأرض» و
قد ورد في الحديث: «لا يسعني أرضي و لا سمائي، بل يسعني قلب عبدي المؤمن» [١]
و قال أبو يزيد البسطامي: «لو أن العرش و ما حواه وقع في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحسّ به».
فإذا علمت هذا المثال و تحقّقت بالقول على هذا المنوال فاجعله دستورا لك في تحقيق الحقائق، و ميزانا تقيس به جميع الأمثلة الواردة على لسان النبوات.
فإذا بلغك مثلا
عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إن للمؤمن في قبره روضة خضراء و يرحب له قبره سبعين ذراعا، و يضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر» [٢]
أو
سمعت في الحديث عنه صلّى اللّه عليه و آله أنه قال في عذاب الكافر في قبره «يسلط اللّه عليه تسعة
[١] قال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: لم أر له أصلا (احياء ٣/ ١٥) و
نقل عن الطبراني من حديث ابى عتبة الخولاني يرفعه الى النبي (ص): «ان للّه آنية من أهل الأرض، و آنية ربكم قلوب عباده الصالحين ...».
[٢] الترغيب و الترهيب للمنذرى: ٦/ ١٥٨.