تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٦ - اللمعة الرابعة
فاعلم أن مقتضى الدين و الديانة أن لا يأول المسلم شيئا من الأعيان التي نطق به القرآن و الحديث إلا بصورها و هيئاتها التي جاءت، بل اكتفى بظاهر الذي جاء إليه من النبي و الأئمة سلام اللّه عليهم، و مشايخ المجتهدين رضوان اللّه عليهم أجمعين، اللهم إلا أن يكون ممّن قد خصّصه اللّه بكشف الحقائق و المعاني و الأسرار، و إشارات التنزيل و تحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خاصّ أو إشارة و تحقيق، قرّر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان، لأن ذلك من شرائط المكاشفة، إذ قد مرّ أن ألفاظ القرآن يجب حملها على المعاني الحقيقية لا على المجاز و الاستعارات البعيدة، و كذا ما ورد في الشرع الأنور من لفظ الجنّة و النار و الميزان و الصراط و ما في الجنّة من الحور و القصور و الأنهار و الأشجار و الثمار و غيرها من العرش و الكرسي و الشمس و القمر و الليل و النهار.
و لا يأول شيئا منها على مجرد المعنى و يبطل صورته، كما فعله في باب الأعيان المعادية كثير من العقلاء المحجوبين بعقلهم و فطانتهم البتراء، التي كانت البلاهة أدنى إلى الخلاص منها، بل يثبت تلك الأعيان كما جاء و يفهم منها حقائقها و معانيها.
فاللّه تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة إلا و له نظير في عالم المعنى، و ما خلق شيئا في عالم المعنى و هو «الآخرة» إلا و له حقيقة في عالم الحق و هو غيب الغيب، إذ العوالم متطابقة، الأدنى مثال الأعلى، و الأعلى حقيقة الأدنى، و هكذا إلى حقيقة الحقائق.
فجميع ما في هذا العالم أمثلة و قوالب لما في عالم الآخرة، و ما في الآخرة هي مثل و أشباه للحقائق و الأعيان الثابتة، التي هي مظاهر أسماء اللّه تعالى، ثمّ ما خلق في العالمين شيء إلا و له مثال و أنموذج في عالم الإنسان، فلنكتف في بيان حقيقة العرش و حقيقة الكرسي بمثال لكل واحد منهما في عالمنا الإنساني.