تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٥ - اللمعة الرابعة
عند اللّه» [١].
هذا كلامه- و فيه موضع نظر علمي، و هو أنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى و صفاته عن وصمة التجسم و قبول الإقسام الموجب للانعدام، فكذلك يجب تنزيه فعله الخاص و أهل القرب و المنزلة عنده، فإن انقسام المعلول القريب مستلزم لانقسام العلّة المفيضة إيّاه، و لهذا حكموا بأن الأمر الثابت القارّ الذات- كالطبيعة- لا يكون علة لأمر متغيّر الذات غير قارّ- كالحركة- إلا و يلحقه ضرب من التغيّر لئلا يلزم فقدان المناسبة بين العلّة و المعلول القريب.
فهكذا لا بدّ في صدور المتكثّرات و المتغيّرات و المنقسمات من المبدإ الأعلى الذي في غاية الوحدة و البساطة و التجرّد، من متوسّط روحاني غير جسماني، ليكون واسطة بين الباري تعالى و عالم الأجرام، بل بينه و بين عالم النفوس المتوسّطة بين الروح الأعظم و عالم الأجرام، فإذا كان كذلك يكون إثبات الأعضاء مستحيلا عليه كما استحال على مبدعه.
ثم العجب تجويز ذلك عليه مع تسميته «روحا أعظم» فإن الروحانية تنافي التجسّم، و لا أقل تنافي كون الشيء ذا أعضاء متمايزة في الأوضاع، متخالفة في الصفات، على أن تسمية الأطباء الجسم اللطيف البخاري المتشابه «روحا» إمّا على ضرب من التجوّز و التشبيه البعيد، أو بحسب اشتراك لفظ اللطافة بين المعنى الذي يوجد في الجسم- و هو رقّة القوام أو عدم الحجاب عن البصر- و بين المعنى الذي يوجد في المجردات، و هو عدم حجابها عن التعقّل، أو نفوذ تأثيرها فيما دونها؛ على أنّ أعظميّة الرّوح تنادى بانتفاء كونه روحا حيوانيا.
[١] تفسير الفخر الرازي: ٢/ ٤٧٠، ملخصا.