تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٧ - المشعر الثالث في تعيين المشفوع له
يتأتي لأحد منهم أن يدّعي أن تعلّق الشفاعة و الرحمة بأهل الكبائر و العفو عن ذنوبهم قبيح في الحكمة؟
و أما التسوية المذكورة فغير لازمة من جهة مجرّد العفو و الشفاعة، لأن منزلة الكاملين في العلم و العمل ليس كمنزلة العصاة من أهل الرحمة و الشفاعة.
و إن أراد أنه لا يجوز التسوية بين المطيع و العاصي في أمر من الأمور فهو جهل محض، لأنه تعالى قد سوّى بينهما في الخلق و الحيوة و الرزق و إطعام الطيّبات، و كثير من المرادات.
و إن كان المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كلّ الأمور فهو مما لا ينكره أحد، بل الجميع قائلون بموجبه- و كيف لا- و المطيع لا يكون له فزع و لا يكون خائفا من العقاب، و المذنب يكمن في غاية الخوف، و ربما يدخل النار و يتألّم مدة مديدة ثم تتداركه الرحمة يخلصه اللّه عن ذلك العذاب بشفاعة الرسول صلّى اللّه عليه و آله.
على أن أكثر المعتزلة- و هم البصريّون منهم- ذهبوا إلى أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول، إلا أن السمع دالّ على عدم وقوعه، و إذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطاء إلا ما استثناه- و هم الراسخون في الأوصاف الذميمة التي هي مبادي الأعمال القبيحة- على ما هو مبيّن في مقامه، نعم هذا الاستدلال لا يستقيم على مذهب الكعبي [١] إلا أن الجواب ما ذكرناه.
فعلم أن هذا القفّال قليل الوقوف في مسلك الاعتزال، ناقص النصيب في علم الكلام، مع رسوخه كالزمخشري في التعصّب لهذا المذهب و المبالغة
[١] مذهب الكعبي ان العفو عن المعاصي قبيح عقلا (تفسير الرازي: ٢/ ٤٦٩)