تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٥ - المشعر الثاني في تعيين الشفعاء و معنى«الإذن»
أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [٣/ ٨١] و ذلك لأن اللّه أخذ ميثاق كلّ نبي بعثه بأن يؤمن بمحمد و يرضى أمته بالايمان به و نصرة دينه، فمن آمن به من الأمم الماضية قبل بعثته و بعد بعثته فهو من أهل الثواب، و من لم يؤمن به من الأولين و الآخرين فهو من أهل العقاب، فصحّ فيه قوله: «بك أعاقب و بك أثيب» و من هاهنا ينكشف
قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لو كان موسى في زمني لا يسعه إلّا اتّباعي» [١].
فكل ما ذكر في معرفة «الروح الأعظم» فهو حال النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ناهيك في الاعتقاد بكونه صلّى اللّه عليه و آله متّحد الحقيقة مع العقل الفعّال و الروح الأعظم البرهان من قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [٣٣/ ٦] و
قوله في حديث غدير خمّ مخاطبا لأمته: «أ لست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى فقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه».
بيان ذلك أن المراد بالمؤمنين هم العارفون الذين صارت نفوسهم عقولا بالفعل، و العقل بالفعل هو الموجود الحقيقي و الحيوة العقلية الاخرويّة، و النبي بروحه المقدس سبب لوجوداتهم الحقيقيّة، و مبدأ لكمالاتهم العرفانيّة و منشأ لفيضين (لفيضان- ن) الكمالين الأولى الأقدس و الثانوي المقدّس، و علّة الشيء أولى بنفس ذلك الشيء من نفسه، إذ الشيء بالقياس إلى علّته بالوجوب حيث كان بالقياس إلى نفسه بالإمكان، فلو لم يكن روح النبي صلّى اللّه عليه و آله علّة لوجوداتهم الحقيقيّة لم يكن أولى من أنفسهم، فهو الأب الحقيقي لهم و لذلك كانت أزواجه امّهاتهم مراعاتا لجانب الحقيقة.
فهو الوسط بينهم و بين الحق، و مبدأ فطرتهم في سلسلة الافتقار النزولي
[١] جاء ما يقرب منه في البحار ١٦/ ٣٦٦.