تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٤ - المشعر الثاني في تعيين الشفعاء و معنى«الإذن»
ما خلق اللّه جوهرة مثل درّة فنظر إليها فذابت، فخلق منها كذا و كذا» [١]
، و باعتبار نورانيّته و ظهوره بذاته و ظهور الخلائق به سمّى «نورا» و باعتبار تجرّد ذاته عن الأكوان و حضوره عند ذاته سمّى «عقلا بالفعل»، و باعتبار غلبة الصفات الملكيّة و الأخلاق الحسنة سمّي «ملكا» و باعتبار تصويره للحقائق مفصلة على ألواح النفوس الناطقة سمّي «قلما».
و إذا أمعنت النظر وجدت كلّما وصف به العقل و حكى منه فهو خاصية من خواصّ روحه- عليه و على آله الصّلوات- و هو مثل
قوله: «أوّل ما خلق اللّه العقل، فقال له: أقبل، فأقبل. ثمّ قال له: أدبر، فأدبر»
، و هذا بعينه هو روحه، إذ
قال له: «أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين، فأقبل»
ثم
قال له: «أدبر، فأدبر»
، أي: ارجع إلى ربّك، فأدبر عن الدنيا و رجع إلى ربّه ليلة المعراج ثمّ
قال للعقل: «و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا أحبّ إليّ منك» و في رواية «أعظم»
و هذا هو حاله صلّى اللّه عليه و آله لأنه كان حبيب اللّه و أحبّ الخلق إليه و أعظمهم عنده، و
قوله تعالى للعقل: «بك اعرف و بك آخذ و بك اعطي و بك أعاقب و بك أثيب»
فهذا كلّه حال النبي صلّى اللّه عليه و آله، لأن من لم يعرف النبي بالنبوة و الرسالة لم يعرف اللّه و لو كان له ألف دليل على معرفة اللّه، كما يعلمه أهل الحق بالايمان الكشفي الإشراقي- بعد الايمان الغيبي الاقتدائي التبعي-.
فمعنى الحديث عند أهل البصيرة: إنّ بمعرفتك اعرف- أي: من عرفك بالنبوة عرفني بالربوبية- و بك آخذ- أي: آخذ طاعة من أخذ منك ما آتيته من الدين و الشريعة- و بك اعطي- أي: بشفاعتك اعطي درجة أهل الدّرجات، كما
روي عنه صلّى اللّه عليه و آله: «الناس محتاجون إلي شفاعتي حتّى إبراهيم عليه السّلام»
- و بك أعاقب و بك أثيب و ذلك لقوله تعالى:
[١] راجع البحار: ١٥/ ٣٠.