تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٢ - المشعر الثاني في تعيين الشفعاء و معنى«الإذن»
جميع الموجودات العنصريّة لها توجّهات و حركات نحو الكمال، فالعناصر تتحرّك نحو الجماد، و الجماد يتوجّه إلى النبات، و النبات إلى الحيوان، و هو إلى الإنسان، و أول الإنسان ذو العقل (هو العقل) الهيولاني، و هو يتوجّه في تحصيل الكمال إلى العقل الفعّال، بعد طيّ مراتب العقل بالملكة و العقل بالفعل فيصير مرتقيا إلى ما ينزل منها، و ذلك العقل الفعال صار ثمرة شجرة هذا العالم بعد أن كان بذر هذه الشجرة، فما يكون بذرا صار ثمرة.
فانظر إلى حكمة الباري و قدرته كيف ينقل البذر في تقاليب الأطوار إلى أن يبلغ مرتبة الثمار، فيبتدي أوله و هو بذر يفسد لبّه في الأرض و يفنى عن نفسه في الأماكن الغريبة عن ذاته، ثمّ يستحيل و ينتقل بقوته النامية من حال إلى حال و من طور إلى طور، حتّى ينتهى آخره إلى ما كان أوّلا و يصل إلى درجة اللّب التي كان عليها سابقا مع عدد كثير من نوع ذاته و فوائد كثيرة و خيرات جمّة من فروع ذاته و لوازمها و قشور صفاته، و ضروريّات هي أرباح تجارته و فوائد سفره من الأوراق المخضّرة و الأغصان المثمرة و الأنوار و الأزهار، و جميع ما يسقط منه و يضمحلّ و يفسد، و هي التي بسببها تارة يكون محبوسا عن المراد مقيدا بصحبة الأضداد، و تارة بمخالطتها و حراستها محروسا عن الاضمحلال و الفساد، و بمعاونتها و صيانتها مصونا عن العفونة للمواد، فيخرج من بين فرث تلك الأوراق و الحشايش و دم العروق و الأغضان، دهنا خالصا، و لبّا صافيا (ذهبا خالصا و لبنا صافيا- ن) و بذرا سالما غانما بإذن اللّه و ثمرة صالحة هي نتيجة المقدمات و الانتقالات، موجودة باقية أبديّة مع انفساخ أكثرها و زوالها و دثورها.
فأحسن أعمال رويّتك بملاحظة هذا التمثيل و تطبيق قرائنه و حمل ألفاظه لتظهر لك كيفيّة كون الحقيقة المحمديّة سببا داعيا لوجود العالم، و نتيجة