تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣ - مقدمة المؤلف
أما الأولى فهي الكبريت الأحمر الذي لم يظفر بقدر يسير منها إلا ملوك الآخره و سلاطينها الذين هم الأنبياء و الأولياء صلوات اللّه عليهم أجمعين لكونها أضيق المعارف مجالا و أعسرها مقالا و أعصاها على الفكر و أبعدها عن قبول الذكر، و لا يطلع عليها إلا واحد بعد واحد من أكابر الأنبياء و الأولياء عليهم السّلام و ذلك بعد فنائهم عن ذواتهم و اندكاك جبل إنّياتهم و لذلك لا يشمل (يشتمل- ن) القران منها إلا على تقديسات و تنزيهات و سلوب نقائص و كثرات.
و أما الثانية فالمجال في الصفات أفسح، و نطاق النطق فيها أوسع، و بلوغ الأفهام إليها أسهل و أيسر لكونها معاني كلية و معقولات (مقولات- ن) عامية يقع الاشتراك فيها بوجه بين الحق و الخلق و يوجد ظل ضعيف من حقائقها فيما سوى الواحد الأول و لذلك أكثر آيات القران مشتملة على أمهاتها- و هي العلم، و القدرة و الحيوة، و السمع، و البصر، و الكلام، و الحكمة.
و أما الثالثة فبحرها أيضا متّسع الأكناف و لا ينال بالاستقصاء فيها الأطراف بل ليس في الوجود إلا اللّه و أفعاله، إذ ما سواه فعله من حيث هو أثره، و كون وجوده تابعا له ظلا لنوره. لكن القرآن يشتمل على معرفة الجلى منها الواقع في عالم الحس و الشهادة ككليات الأجرام الشديدة البنيان، و معظمات الطبائع و الأركان حيث يذكر فيه خلق السموات و الكواكب و الأرض و الجبال و البحار و الحيوان و النبات و إنزال الأمطار و الثلوج و تصريف الرياح و إثارة السحاب المسخّر بين السماء و الأرض- إلى غير ذلك من الآيات و سائر أسباب النشوء و الحيوة، إذ كل ذلك من الأمور الجليّة الظاهرة للحواس.
و أما الأمور الخفية منها فهي التي لا تصل إليها أفهام أكثر الناس، و هي أعجبها ترتيبا، و أشرفها رتبة، و أعظمها جلالة و أدلها على عظم مبدعها و خالقها برهانا لكونها من عالم الملكوت و الروحانيات. و لما كان الروح الإنسانى المسمى