تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٩ - المشعر الثاني في تعيين الشفعاء و معنى«الإذن»
أنوار علومهم من مشكوة النبوّة و الولاية، و إلا فليسوا من الحكماء و العلماء في شيء إلا بالمجاز، و ذلك لأن الوصول إلى اللّه تعالى و نيل روح الوجود من المنبع الحقيقي لا يمكن إلا باتّباع الأنبياء و الأولياء صلوات اللّه عليهم أجمعين، إذ العقل لا يهتدى إليه اهتداء يطمئن به القلوب و يرتفع عن صاحبه الريب و الشك، و لا سبيل له في معرفة الحق إلا بأنه ينظر في الممكنات و يستدلّ بها على موجدها و هو الحقّ تعالى، ثمّ على وحدته و وجوبه و علمه و قدرته، و لا يعلم من صفاته الثبوتية إلا هذا القدر و من صفاته التقديسية أنه ليس بجسم و لا جسماني و لا زماني و لا مكاني و أمثال ذلك.
و ليس هذا الاستدلال إلا من وراء الحجب إذ لا يحضر عنده إلا مفهومات ذهنيّة، و معقولات ثانية لا يسمن و لا يغني من جوع، و هذا بعينه كمن أراد أن يستغني بمفهوم الحلاوة عن السكّر و بمفهوم السلطنة عن السلطان، فأصحاب العقول كلها كالذين قال اللّه فيهم: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [٤١/ ٤٤] لأنهم يجعلون الحقّ بعيدا عن أنفسهم و يكتفون عن ذات الحق الأول و مشاهدة الذوات المقدسة العقليّة و ملاقات حقائق أهل الجبروت و الملكوت، القاطنين في طبقات الوجود بمفهومات ذهنيّة و حكايات مثاليّة، و مع هذا لا يجري لهم طريق الاستدلال إلا في الذهنيات و الكليات التي هي طور العقل، و أما في الأمور التي هي وراء طور العقل من أحوال الآخرة و أحكام البرازخ فيثبت فيها عقولهم و يقف من غير أن يهتدي إليها إلا باتّباع الشريعة.
و لهذا اعترف شيخهم و رئيسهم بالعجز في إدراك المعاد الجسماني و صرّح بأن لا سبيل للعقل إليه الا من جهة تصديق خبر النبوة التي أتى بها سيدنا و مولانا محمد صلّى اللّه عليه و آله [١] و من هنا يظهر معنى الشفاعة و معنى كون النبي صلّى اللّه عليه و آله مأذونا فيها
[١] الإلهيات من الشفاء: الفصل السابع من المقالة التاسعة: ٥٤٤.