أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٩٤٥ - ف ٣ ـ في شروط الاجتهاد
الاطمئنان على الملكة القدسيّة ، وقد صرّح بذلك عظماء سائر العلوم حتّى قال بطليموس [١] في الثمرة : « إنّ استنباط الأحكام من علم النجوم لا يتيسّر إلاّ لمن حصلت له الملكة القدسيّة » [٢].
ولا ينبغي أن يلتفت إلى قول من قال : إنّه لا حاجة إليها ويمكن الاستنباط بدونها [٣] ؛ فإنّ [٤] غاية الأمر أن يمكن الاستنباط بدونها من دليل كان ظاهرا ، أو نصّا في معناه ولم يكن له معارض ، ولا لازم غير بيّن ، ولا فرد خفيّ ، كاستنباط عدم نجاسة الكرّ بملاقاة النجاسة من قوله صلىاللهعليهوآله : « إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » [٥] ، وهذا قليل في المباحث الفقهيّة ، كما لا يخفى على المتتبّع.
وأمّا بيان الثاني ، فهو أن يعرض استدلالات من يراد اختباره ، وترجيحاته المخترعة ، على استدلالات ذوي الملكات وترجيحاتهم ، فإن شابهتها فقد حصلت له الملكة ، وإلاّ فلا ، ومن لا يتمكّن من العرض والفهم من عند نفسه ، فطريق معرفته إمّا التواتر ، أو إخبار جماعة من العلماء باستقامة طبيعته ، وصفاء قريحته بحيث يحصل القطع بقلّة كبوته ، وندور سقطته ، وعدم اعوجاجه في الغالب.
والقول بأنّ الظاهر أنّ المراد بتلك الملكة ملكة استنباط جميع الأحكام بحيث لا يشذّ عنها شيء ، ولا ريب في أنّ حصول مثلها يتوقّف على غاية استعداد للنفس ، وتأييد من عند الله ؛ فلا يفوز بها إلاّ أوحديّ من الأذكياء ، وعلى هذا لا يعلم ذو ملكة حتّى يعرض فتاوى من يراد اختباره على فتاويه [٦] ، شبهة مصادفة للضرورة ؛ فإنّا نعلم بديهة أنّ المعارف من الفقهاء كانوا ذوي ملكات قويّة.
وما قيل : إنّه يلزم على ما ذكر أن يكون تلك الملكة أمرا وجدانيا مقتضاه الإصابة في كلّ
[١] في النسختين : « بطلميوس ».
[٢] لم نعثر على الكتاب.
[٣] وهو قول بعض الأخباريّين وقد تقدّم في ص ٩٠٩.
[٤] تعليل للنفي دون المنفيّ.
[٥] تقدّم تخريجه في ص ٩٤٣.
[٦] راجع : الإحكام في أصول الأحكام ٤ : ١٧٠ ، ومبادئ الوصول : ٢٤٠ ، وإرشاد الفحول ٢ : ٢٠٦.