أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٩٥١ - ف ٦ ـ في بطلان القول بالتصويب
ويدلّ عليه أيضا بعض الظواهر ، نحو قوله تعالى : ( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... )[١] ، وغيره ، وتخصيصه بغير المجتهد منهم تحكّم.
احتجّ المخالف ـ وهو القائل بأنّ كلّ مجتهد فيها مصيب لا على معنى مطابقة ما أدّى اجتهاده للواقع ؛ فإنّه غير معقول ، ولم يقل به أحد ، بل بمعنى زوال الإثم ـ بأنّ التكليف بخلاف ما أدّى إليه النظر والاجتهاد تكليف بالمحال ؛ لأنّ حصوله [٢] بعدهما ضروري ، واعتقاد خلافه ممتنع [٣].
والجواب : أنّ علم الحجّة واضح لمريدها ، فمن لم يصلها فقد قصّر في النظر.
وأمّا الشرعيّات [٤] ، فإن بلغت حدّ القطع ، فالمصيب فيها أيضا واحد ـ وهو من أخذ بالمقطوع به ـ وغيره آثم.
وإن لم تبلغ حدّ القطع ، بل افتقرت إلى نظر واجتهاد ، وجب على المجتهد بذل المجهود فيها ، وبعد بذل جهده ما تعلّق ظنّه به يجب عليه العمل به ، ولا إثم عليه حينئذ وإن أخطأ ؛ لما ثبت بالتواتر من اختلاف الصحابة في المسائل من دون التأثيم من بعضهم لبعض معيّن أو مبهم ، مع أنّا نقطع بأنّه لو كان إثم ، لقضت العادة بذكره [٥].
والظاهر عدم الخلاف في ذلك ، إنّما الخلاف في التخطئة والتصويب ، بمعنى أنّ المسألة التي لا قاطع فيها هل فيها حكم معيّن لله تعالى ـ من أصابه فهو مصيب وغيره مخطئ معذور ـ أم ليس فيها حكم معيّن لله ، بل حكم الله فيها تابع لظنّ المجتهد ، فما ظنّه كلّ مجتهد فيها فهو حكم الله تعالى فيها؟ فذهب أصحابنا إلى الأوّل [٦] ، وأكثر العامّة إلى الثاني.
لنا : شيوع تخطئة السلف بعضهم بعضا من غير نكير [٧].
[١] ص (٣٨) : ٢٧.
[٢] أي حصول الاعتقاد.
[٣]و ٥) حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول : ٢١١.
[٤] عطف على « في العقليّات ».
[٦] راجع مبادئ الوصول : ٢٤٤.
[٧] حكى ابن الحاجب تخطئة جماعة لآخرين كأبي بكر وعمر وابن مسعود وعليّ بن أبي طالب وزيد وابن عبّاس وغيرهم في منتهى الوصول : ٢١٣.