أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٩١٢ - ف ١ ـ في معرفة طرق استنباط الأحكام
فهمه وإن كان مستلزما لمتاعب كثيرة ومشاقّ شديدة ، ولا ينتظر أن يحصل له القطع بمراد المتكلّم ، بل يعمل به وإن كان من المحتمل عنده أن يكون غرض المتكلّم خلاف ما فهمه ، ولذا لو أمر السلطان بأحد خدّامه بحمل كلّ دينار عنده ، واستصحاب عبد يشتريه ، والمسافرة إلى بلد في وقت معيّن ـ يفهم [١] من خطابه ثبات رأيه ، وعموم الدينار ، وإطلاق العبد بحيث يشمل المؤمن والكافر ـ فاشترى كافرا ، وحمل جميع ما عنده من الدنانير ، وسافر معهما [٢] عند الوقت المذكور ، لم يذمّ ولم ينسب إلى تقصير باحتمال ندامة الآمر عن أمره ونسخه ولم يبلغه الناسخ ، وإخراج بعض الدنانير ، وتقييد العبد بالمؤمن ولم يصل إليه المخصّص والمقيّد ، وكذا الحال في خطابات الشارع.
ومنها : ما دلّ على أنّ الله تعالى لم يدع شيئا ممّا يحتاج إليه الناس إلاّ أنزله في كتابه ، أو بيّنه نبيّه صلىاللهعليهوآله في سنّته ، فلم يبق شيء من العلوم الاعتقاديّة والعمليّة إلاّ ورد في كتاب أو سنّة حتّى أرش الخدش ، والجلدة ونصف الجلدة ، كقوله تعالى : ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ )[٣].
وقوله : ( وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ )[٤].
وقول عليّ عليهالسلام : « أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ، أم كانوا شركاء له ولهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ، أم أنزل الله سبحانه دينا تامّا فقصّر الرسول صلىاللهعليهوآله عن تبليغه وأدائه ، والله سبحانه يقول : ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ )[٥]؟ ».
وقول الباقر عليهالسلام : « إنّ الله لم يدع شيئا يحتاج إليه الامّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله ، وجعل لكلّ شيء حدّا ، وجعل عليه دليلا يدلّ عليه ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا » [٦].
وقول الصادق عليهالسلام : « ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة » [٧].
[١] جملة « يفهم » حال عن أحد خدّامه وقوله : « لم يذمّ » جواب « لو ».
[٢] أي مع الاشتراء والحمل.
[٣] الأنعام (٦) : ٣٨.
[٤] الأنعام (٦) : ٥٩.
[٥] الاحتجاج ١ : ٦٢٠ ، ح ١٤٢.
[٦] الكافي ١ : ٥٩ ، باب الردّ إلى الكتاب و ... ، ح ٢.
[٧] المصدر ، ح ٤.