أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٧٦٩ - ف ٣٤ ـ اشتراط الاتّصال العادي في الاستثناء
إذا عرفت ذلك ، ففائدة الخلاف تظهر في التعارض ؛ لأنّا إذا قلنا : إنّ الاستثناء قبل الحكم ، فلا يقع بين المستثنى منه والاستثناء تعارض ؛ لأنّ الثاني يدلّ على إخراج المستثنى من المستثنى منه ، والأوّل لا يدلّ على إدخاله فيه.
وإن قلنا : إنّه بعده ، يقع بينهما التعارض ؛ لأنّ الأوّل حينئذ يدلّ على إدخاله فيه ، فإذا عارض الاستثناء أو المستثنى منه دليل آخر قدّمناهما ؛ لأنّ كثرة الأدلّة من المرجّحات.
فصل [٣٤]
اشتراط الاتّصال العادي في الاستثناء ممّا لا ينبغي الريب فيه ، وإلاّ لم يستقرّ شيء من الإيقاعات والأقارير ، ولم يتحقّق الحنث في الأيمان والنذور ، ولم يعلم صدق ولا كذب ؛ لجواز أن يرد عليها استثناء بعد مدّة فيغيّر حكمها.
وما روي عن ابن عبّاس ـ أنّه يصحّ الاستثناء وإن طال الزمان شهرا [١] ـ لم يثبت عندنا ، ولو ثبت وكان قوله حجّة يحمل على أنّه أراد إظهار ما نوى أوّلا في الأيمان.
وما روي من قضيّة سؤال اليهود عن مدّة لبث أصحاب الكهف [٢] لو سلّم فيها ثبوت الجزء الذي احتجّ به الخصم ، فلا دلالة له على مطلوبه.
وما روي أنّه عليهالسلام قال : « والله لأغزونّ قريشا » ، ثمّ سكت ، ثمّ قال : « إن شاء الله » [٣] لو ثبت ، فيحمل على السكوت الذي لا يخرج عن الاتّصال عادة من تنفّس أو سعال ، جمعا بين الأدلّة.
ويعلم ممّا ذكر فساد ما قيل : إنّه لا يشترط الاتّصال لفظا ، بل يجوز الاتّصال بالنيّة مطلقا [٤] ، وإن لم يتلفّظ به أصلا ، وما قيل : إنّه يجوز الانفصال في القرآن خاصّة [٥] ؛ لما روي أنّه نزل قوله تعالى : ( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) بعد قوله تعالى : ( لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ ... )[٦] ، بزمان [٧].
[١]ـ ٢ ـ ٣ ). فتح الباري ١١ : ٦٠٣.
[٤] نسبه ابن حجر إلى مالك في المصدر : ٦٠٢.
[٥] نسبه الآمدي إلى بعض الفقهاء في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ٣١٠.
[٦] النساء (٤) : ٩٥.
[٧] مجمع البيان ٣ : ١٦٦.