أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٦٣٦ - ف ٧ ـ في عدم دلالة الأمر على الفور أو التراخي
وعلى الحلّ الذي ذكرناه : منع الصغرى ، سواء اريد عدم التعيّن عند الشارع ، أو المكلّف ؛ لأنّ آخره ـ وهو آخر أزمنة التمكّن بظنّ المكلّف ـ متعيّن عندهما.
ومنها : قوله تعالى : ( ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ )[١] ذمّ إبليس على ترك البدار ، ولو لم يقتض الفور ، لما استحقّ الذمّ وكان له أن يقول : ما أمرتني بالبدار [٢].
والجواب : أنّ هذا الأمر كان مقيّدا بوقت معيّن ، وهو وقت التسوية والنفخ بدليل قوله تعالى : ( فَإِذا سَوَّيْتُهُ )[٣] ، فلمّا لم يأت بالفعل فيه استحقّ الذمّ.
ومنها : قوله تعالى : ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ )[٤] ، وفعل [٥] المأمور به منها ، فيجب الاستباق إليه. وقوله : ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ )[٦] ، والمراد سببها بالاتّفاق ، وليس المراد منه سببا خاصّا كالتوبة ؛ للزوم الترجيح بلا مرجّح ، فالمراد منه فعل المأمور به مطلقا ، فيجب المسارعة إليه ، ولا يتحقّق الاستباق والمسارعة إلاّ بإيقاعه فورا [٧].
واجيب عنه بأنّ الأمر بالاستباق والمسارعة محمول على الأفضليّة دون الوجوب ؛ لأنّهما إنّما يتصوّران في الموسّع دون المضيّق ، ولا يجبان فيه.
أمّا الثاني ؛ فللإجماع. وأمّا الأوّل ؛ فلأنّ الإتيان بالمأمور به في الوقت الذي لا يجوز التأخير عنه لا يسمّى استباقا ومسارعة عرفا ، فلو حمل على الوجوب ، يلزم أن يكون ما يقتضيه الصورة [٨] فيهما منافيا لما يقتضيه المادّة ؛ لأنّ الصورة تقتضي المنع عن التأخير ، والمادّة ـ وهي المصدر ـ تقتضي جوازه [٩].
[١]. الأعراف (٧) : ١٢.
[٢] حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٨٦ ، والفخر الرازي في المحصول ٢ : ١١٥ ، والشيخ حسن في معالم الدين : ٥٦.
[٣] الحجر (١٥) : ٢٩.
[٤] البقرة (٢) : ١٤٨.
[٥] أي إتيانه.
[٦] آل عمران (٣) : ١٣٣.
[٧] حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٨٨.
[٨] في النسختين : « الصفة ». وما يأتي يقتضي كون الكلمة : « الصورة » أو « الصيغة ».
[٩] حكاه الأنصاري عن الشافعي في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى ١ : ٣٨٩ ، والشيخ حسن في معالم الدين : ٥٧.