أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٦٧٣ - ف ١١ ـ في أنّ المراد من الأمر الماهيّة من حيث هي لا الفعل الجزئيّ
وهذا يدفع كونه لجزئي غير معيّن أيضا وإن استلزم طلب الطبيعة طلب أحد الجزئيّات لا بعينه ؛ لأنّ الماهيّة لا توجد إلاّ في ضمن أحد أشخاصها ، إلاّ أنّ دلالته على طلبها وضعيّة ، وعلى طلبه عقليّة ، فلا يتحقّق بيننا وبين من قال بأنّه لفرد لا بعينه [١] نزاع يختلف به الأحكام ؛ لاختصاصه [٢] بنحو الدلالة.
احتجّ الخصم بأنّ الماهيّة الكلّية يستحيل وجودها في الأعيان ؛ لأنّها لو وجدت لزم تعدّدها كلّية في ضمن الأشخاص ، فمن حيث إنّها موجودة ، تكون مشخّصة جزئيّة ، ومن حيث إنّها الماهيّة الكلّية تكون كلّية ، وهو محال [٣].
والجواب : أنّ المطلوب الماهيّة لا بشرط شيء ، أي الكلّي الطبيعي ، والحقّ وجوده في الأعيان لا بنفسه ، بل في ضمن الجزئيّات ، وإلاّ انتفت الحقائق ، إلاّ أنّ شيئا من المقارنة والتجرّد لمّا لم يكن جزءا أو شرطا له ، فيصدق عليه الكلّية حال المقارنة ، ولا يخرج بها عنها ، ولا ينافي كلّيّته الوجود العيني ، ولا يدخل لأجله في الجزئيّة. ولزيادة التحقيق فيه فنّ آخر. هذا.
وبعض من قال : إنّ الأمر المطلق لا يفيد المرّة والتكرار ، بل هي الطبيعة من حيث هي ، قال هنا : إنّ المطلوب منه الفعل الجزئي الممكن المطابق للماهيّة ، لا الماهيّة [٤]. وأحد القولين بظاهره يناقض الآخر. ويمكن أن يحمل كلامه هنا على أنّ المطلوب الفرد المنتشر التزاما.
إذا عرفت ذلك ، فكيفيّة التفريع أنّ المأمور بفعل مطلق ـ عبادة كان أو معاملة ـ يجوز له إيقاع ما يصدق عليه هذا المطلق وإن كان أنقص أفراده ، إلاّ ما علم بقرينة أنّه غير مراد الآمر.
ثمّ الفعل إن كان معيّنا من جهة ، مطلقا من جهة اخرى ، فلا بدّ من الإتيان بالقدر المعيّن.
[١] راجع فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى ١ : ٣٩٢.
[٢] أي اختصاص النزوع.
[٣] قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : ٩٩.
[٤] قاله البصري في المعتمد ١ : ٩٨ ، والسرخسي في اصوله ١ : ٢٠ ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ٢٠٤ و ٢٠٥.