أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٦٦٢ - ف ٩ ـ في أنّ الأمر بالشيء المعيّن هل هو نهي عن ضدّه أم لا؟
واحتجّ من أنكر استلزامه له بما احتجّ به المنكر لتضمّنه للنهي عن الضدّ العامّ من ذهول الآمر عن الأضداد الخاصّة والكفّ عنها ، مع أنّ دلالته على النهي تستلزم تعقّلها وتعقّل الكفّ عنها [١].
وقد عرفت هناك [٢] جوابا يصلح أن يكون جوابا هنا. على أنّ هذا الاحتجاج هنا على ما اخترناه ـ من أنّ دلالته عليه بالالتزام المعنوي ـ ساقط من أصله ؛ فإنّه يتوجّه على القائل بالالتزام اللفظي وهو عندنا باطل ؛ لأنّ شرطه اللزوم العقلي أو العرفي ، ونحن نقطع بأنّ تصوّر معنى الأمر لا يحصل منه الانتقال إلى تصوّر الضدّ الخاصّ والكفّ عنه.
واحتجّ هذا القائل بأنّ أمر الإيجاب طلب فعل يذمّ على تركه ، فالذمّ بالترك من معقول الإيجاب [٣] فلا ينفكّ عنه تعقّلا ، ولا ذمّ إلاّ على فعل ؛ لأنّه المقدور ، وما هو هاهنا إلاّ الكفّ عن الفعل أو فعل ضدّه ، وكلاهما ضدّ للفعل ، والذمّ بأيّهما كان فهو يستلزم النهي عنه ؛ إذ لا ذمّ بما لم ينه عنه ؛ إذ هو معناه [٤].
والجواب : أنّ ما لا ينفكّ عن الإيجاب ـ على فرض تسليمه ـ هو الذمّ على الترك ، أعني عدم الفعل ـ أي استمراره وعدم قطعه ـ فلا يرد أنّه لا ذمّ عليه ؛ لكونه أزليّا غير مقدور عليه. أو الكفّ [٥] ، لا الذمّ على فعل الضدّ ، فيلزم منه استلزامه لفظا للنهي عن الضدّ العامّ لا الخاصّ ، بل استلزامه له معنوي ، كما ذكرناه [٦].
فإن قلت : لو كان الذمّ على نفي الفعل ، أو الكفّ [٧] ، لكان النفي أو الكفّ منهيّا عنه ، والنهي هو طلب النفي أو الكفّ ؛ فالنهي عن النفي طلب النفي عن النفي ، والنهي عن الكفّ طلب الكفّ عن الكفّ ؛ فيلزم وجوب تصوّر النفي عن النفي ، أو الكفّ عن الكفّ لكلّ آمر بشيء ،
[١] قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه ١ : ١٩٧ ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٩٢ ، وحكاه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ١٣٦ ، القاعدة ٤٠.
[٢] في ص ٦٥٤.
[٣] والمراد أنّ « الذمّ بترك الفعل » داخل في مفهوم الإيجاب.
[٤] حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : ٦٧.
[٥] عطف على « الترك ».
[٦] تقدّم في ص ٦٥٤.
[٧] عطف على « نفي ».