أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٩٤٠ - ف ٣ ـ في شروط الاجتهاد
مع أنّ الاحتياج في صورة التعارض إلى علم الرجال ثابت على أيّ تقدير ، والشيخ لم ينكره.
ثمّ بعض الأخباريّين لمّا تفطّن بما يرد على ما ذهبوا إليه ، قال :
|
|
مرادنا بالعلم ـ حيث نقول : إنّ أخبارنا معلومة الصدور ، وأنّ مدلولاتها معلومة لنا ـ هو ما يطمئنّ إليه النفس ويقضي العادة بصدقه ـ وهو الذي اعتبره الشارع في ثبوت الأحكام ، كما يرشد إليه موضوع الشريعة السمحة. ويحصل بخبر الثقة الضابط ، وبالقرائن الحاليّة والمقاليّة ـ لا الاعتقاد الثابت الجازم المطابق للواقع ، فإنّ حصوله غير ممكن [١]. |
والظاهر أنّ مراده بـ « ما يطمئنّ إليه النفس » هو الظنّ الغالب ، فإن كان مراده أنّ مثل هذا الظنّ يحصل في بعض الأخبار ، فهو مسلّم ورجوع إلى مذهب المجتهدين ، وإن كان مراده أنّه حاصل في جميعها فهو باطل ؛ لعدم إمكانه في المتعارضين وأخبار الضعفاء وأهل الكذب. والظاهر أنّ مراده الأوّل.
وإذ ظهر أنّ الأحاديث ليست قطعيّة الصدور ، والقرائن المذكورة لا تدلّ عليها ، بل هي ظنّيّة الصدور ، فثبت جواز العمل بالظنّ ؛ إذ لولاه لزم سدّ أبواب الأحكام ، فبطل مذهب الأخباريّين.
ثمّ نقول : كلّ ظنّ لا يجوز التعويل عليه ؛ لعموم النهي عن اتّباع الظنّ [٢] ، وآية التثبّت [٣] ، فيجب الفحص عن أسانيدها ؛ ليتميّز ما يفيد الظنّ المعمول به عن غيره.
فإن قيل : يكفي في ذلك ملاحظة القرائن ، بل يتعيّن ذلك ؛ لأنّ الظنّ الحاصل منها أرجح من الظنّ الحاصل من ملاحظة السند في علم الرجال ، والعمل بالراجح متعيّن.
قلت : التمييز بالقرائن المعمولة عند القدماء غير ممكن في أمثال زماننا ؛ لعدم تمكّننا عن تحصيلها ، والتمكّن عن قليل منها غير مغن ؛ على أنّا امرنا بالأخذ بقول الأعدل عند التعارض [٤] ، ومعرفة الأعدل والأصدق تتوقّف على علم الرجال. هذا.
[١] انظر الفوائد المدنيّة : ٩٠ ـ ١٢٧.
[٢] الحجرات (٤٩) : ١٢ : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ... ).
[٣] الحجرات (٤٩) : ٦ : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ).
[٤] الكافي ١ : ٦٧ ، باب اختلاف الحديث ، ح ١٠ ، والفقيه ٣ : ٨ ـ ١١ ، ح ٣٢٣٦ ، وتهذيب الأحكام ٦ : ٣٠١ ، ح ٨٤٥.