أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٦٠٥ - ف ٢ ـ في معاني صيغة الأمر وموارد استعماله
ثمّ إنّها ليست حقيقة في الإباحة فقط ؛ لبداهة اقتضائها ترجيح الفعل ، وليست للندب فقط أيضا ؛ لضرورة الفرق بينها وبين ما يفيد الندب كما ذكرنا [١] ؛ وللزوم عدم كون الواجب حينئذ مأمورا به ، وهو باطل ضرورة ، مع أنّ القول بأنّها للندب فقط [٢] بعيد ؛ لضعف أدلّته ، وندور قائله ، فإذا كانت الصيغة مردّدة بين كونها للوجوب فقط والندب فقط ، فلا يكاد أن يختار الثاني عاقل.
وما قيل : إنّه ينتهض حجّة على القائل بالاشتراك اللفظي دون المعنوي ؛ لأنّه ليس خلاف الأصل [٣] ، ضعيف ؛ لأنّ مخالفة الاشتراك للأصل لإخلاله بالتفاهم وهو حاصل هنا [٤] ؛ فإنّ الصيغة لو كانت حقيقة في الطلب وأحد أفراده الوجوب ، والآخر الندب وهما متغايران ـ ولا يعلم المخاطب أنّ المراد الأوّل حتّى لو لم يمتثل كان عاصيا ، أو الثاني حتّى لو لم يمتثل لم يكن عاصيا ـ فيحصل الإخلال بالتفاهم ، والتكليف بما لا يعلم.
ولا يمكن أن يقال هنا [٥] بجواز إرادة القدر المشترك ، وهو مطلق الطلب في ضمن أيّ منهما كان ؛ لأنّ تخيير المكلّف بين كون الشيء واجبا عليه أو مندوبا عليه لا معنى له ، فالاشتراك المعنوي الذي ليس خلاف الأصل هو ما ليس بهذه المثابة ، بل ما كان بحيث أمكن إرادة القدر المشترك منه من غير لزوم فساد. وهذا [٦] وإن لم يثبت سوى الحقيقة اللغويّة إلاّ أنّ المطلوب [٧] يتمّ به بالضميمة المذكورة [٨].
ومنها : قوله تعالى : ( ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ )[٩] ؛ إذ المراد به ( اسْجُدُوا ) في قوله : ( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ... )[١٠] الآية ، دلّ ـ لكونه في معرض الإنكار والاعتراض _
[١] تقدّم في ص ٥٩٧ ـ ٥٩٨.
[٢] القول لأبي هاشم وكثير من متكلّمي المعتزلة وجماعة من الفقهاء والشافعي كما تقدّم في ص ٦٠٢ ، الهامش ١.
[٣] أشار إليه الفخر الرازي في المحصول ٢ : ٩٤.
[٤]و ٥) أي الاشتراك المعنوي.
[٦] أي هذا الوجه.
[٧] وهو كون الصيغة حقيقة في الوجوب شرعا وعرفا ولغة.
[٨] وهي عبارة عن أصالة الحقيقة.
[٩] الأعراف (٧) : ١٢.
[١٠] البقرة (٢) : ٣٤.