أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٩٢٥ - ف ٢ ـ في أنّه هل يمكن تجزّي ملكة الاجتهاد؟
واستدلّ على المختار بوجوه أخر [١] :
منها : نصّ الصادق عليهالسلام في مشهورة أبي خديجة بقوله : « انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا ... » [٢].
وفيه : أنّ المنكر للتجزّي لا يدّعي وجوب العلم بكلّ الأحكام ، وإنّما يدّعي وجوب الإحاطة بكلّ المدارك والمآخذ ليحصل له الظنّ القويّ بعدم المعارض ، فزعمه أنّ العلم بشيء من الأحكام لا ينفكّ عن الإحاطة بكلّ الأدلّة ، فالعالم بشيء من القضايا مجتهد مطلق عنده.
ومنها : أنّه لو لم يتجزّأ الاجتهاد لزم علم المجتهد بجميع المدارك ، ويلزمه العلم بجميع الأحكام ، واللازم منتف ؛ لشيوع « لا أدري » من المجتهدين ، وتوقّف كثير منهم في كثير من الأحكام في مصنّفاتهم.
وفيه : أنّ العلم بجميع المدارك لا يستلزم العلم بجميع الأحكام ؛ لجواز عدم العلم ببعضها ؛ لتعارض الأدلّة الكثيرة وتراكمها بحيث لم يقدر على الترجيح ، أو للعجز في الحال عن الجهد التامّ ؛ لمانع يشوّش الفكر ، أو لاستدعائه زمانا طويلا ، أو لتوقّفه على كتاب غير حاضر.
ومنها : أنّ حصول ملكة العلم بكلّ الأحكام الواقعيّة ممتنع عندنا ؛ لأنّ جميعها كانت مودعة عند أئمّتنا عليهمالسلام ولم يتمكّنوا إلاّ من إظهار بعضها ؛ لتقيّة أو غيرها.
وفيه : أنّ النزاع ليس في حصول العلم بالأحكام الواقعيّة ، بل بالأحكام الظاهريّة ، وحصول ملكة العلم بالنسبة إلى جميعها ممكن.
احتجّ المانعون [٣] بأنّه لو صحّ التجزّي لزم الدور. وقد قرّر لزوم الدور بوجوه :
[ الوجه ] الأوّل : أنّ صحّة اجتهاد المتجزّئ في مسألة فقهيّة ـ كوجوب السورة مثلا ـ موقوفة على صحّة اجتهاده في مسألة تجزّي الاجتهاد ؛ إذ ما لم يترجّح صحّة التجزّي ، لم يصحّ له الاجتهاد في الفروع ، وصحّة اجتهاده في هذه المسألة موقوفة على صحّة هذه
[١] راجع الوافية : ٢٤٦ ـ ٢٥٠.
[٢] الفقيه ٣ : ٢ ـ ٣ ، ح ٣٢١٩ ، وتهذيب الأحكام ٦ : ٢١٩ ، ح ٥١٦.
[٣] راجع : المحصول ٦ : ٢٥ ، ومعالم الدين : ٢٣٩ ، والوافية : ٢٤٦ ـ ٢٥٠.