أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٥٩٩ - ف ١ ـ في حقيقة الأمر
وإن كان هو الطلب والصيغة المخصوصة وسيلة إليه ، إلاّ أنّ الأمر هو الوسيلة ؛ لما ذكر ، والمقصود مدلوله.
والحقّ أنّه عين الإرادة ؛ لعدم تعقّل الزائد عليها منه ، ولا يعقل وضع اللفظ الظاهر لمعنى غير معقول [١].
فما ذهب إليه الأشعري من أنّ الطلب مغاير للإرادة [٢] باطل.
واحتجاجه عليه بأنّه تعالى أمر الكافر الذي علم منه عدم الطاعة بها ولم يردها منه ؛ نظرا إلى استحالة صدورها عنه ؛ لامتناع انقلاب علمه جهلا ، والطلب إمّا نفس الأمر ، أو لازم له. وبأنّه قد يطلب ما لا يراد امتحانا [٣].
مندفع بمنع عدم الإرادة في الأوّل. وتعليله عليل ؛ لأنّ العلم ليس علّة. ومنع الطلب في الثاني ؛ فإنّ الصيغة الشخصيّة إذا تجرّدت عن الإرادة لا تدلّ على الطلب ، ولا تكون حينئذ أمرا حقيقة ، بل تكون مستعملة في غير ما وضعت له ، كما إذا استعملت في الخبر أو غيره ، بل يتوقّف كونها أمرا على إرادة المأمور به منها.
ويظهر من هذا أنّ ما قيل : إنّ إرادة المأمور به مؤثّرة في كون الصيغة أمرا [٤] صحيح ، والمراد به ما قلناه.
والتحقيق ، أنّ وضع الصيغة للطلب يكفي في دلالتها عليه ، كسائر الألفاظ الموضوعة لمعانيها ، ولا يفتقر إلى إرادة اخرى كما قيل [٥] ، وإلاّ لزم الافتقار إليها فيها أيضا ، وهو باطل.
واحتجّ الخصم بأنّها تدلّ على التهديد كما تدلّ على الطلب ، فلا بدّ من مميّز ، ولا مميّز غير الإرادة [٦].
والجواب : أنّه يستقيم لو كانت حقيقة في التهديد وليس كذلك ، بل دلالتها عليه
[١] في « ب » : « الظاهر المعنى غير معقول ».
[٢] قاله الرازي في المحصول ٢ : ٢.
[٣] المصدر : ١٩.
[٤] حكاه الرازي عن أبي علي وأبي هاشم في المحصول ٢ : ٢٩.
[٥] حكاه الرازي عن الكعبي في المحصول ٢ : ٢٨.
[٦] حكاه الفخر الرازي في المحصول ٢ : ٢٩.