الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٤ - شعر العتابي يجعل عبد الملك يأمر بالكف عن قتال ربيعة
كان أخوان من فزارة يخفران قرية بين آمد و سميساط، يقال لها تلّ حوم، فطال مقامهما بها حتّى أثريا، فحسدهما قوم من ربيعة، و قالوا: يخفران هذان الضياع في بلدنا! فجمعوا لهما جمعا، و ساروا إليهما، فقاتلوهما، فقتل أحدهما، و على الجزيرة يومئذ عبد الملك بن صالح الهاشمي، فشكا القيسيّ أمره إلى وجوه قيس، و عرّفهم قتل ربيعة أخاه، و أخذهم ماله. فقالوا له: إذا جلس الأمير فادخل إليه. ففعل ذلك، و دخل على عبد الملك، و شكا ما لحقه، ثم قال له: و حسب الأمير أنّهم لما قتلوا أخي و أخذوا مالي قال قائل منهم:
اشربا ما شربتما إنّ قيسا
من قتيل و هالك و أسير
لا يحوزنّ أمرنا مضريّ
بخفير و لا بغير خفير
فقال عبد الملك: أ تندبني [١]: إلى العصبية؟ و زبره [٢]، فخرج الرّجل مغموما، فشكا ذلك إلى وجوه قيس، فقالوا: لا ترع، فو اللّه لقد قذفتها في سويداء قلبه، فعاوده. فعاوده في المجلس الآخر، فزبره، و قال له قوله الأوّل، فقال له:
إنّي لم آتك/ أندبك للعصبيّة، و إنّما جئتك مستعديا [٣]، فقال له: حدّثني كيف فعل القوم؟ فحدّثه و أنشده، فغضب فقال: كذب [٤] لعمري، ليحوزنّها. ثم دعا بأبي عصمة أحد قواده، فقال: اخرج فجرّد السيف في ربيعة، فخرج و قتل منها مقتلة عظيمة، فقال كلثوم بن عمرو العتّابيّ قصيدته الّتي أوّلها:
ما ذا شجاك بحوّارين من طلل
و دمنة كشفت عنها الأعاصير [٥]
يقول فيها:
هذي يمينك في قرباك صائلة
و صارم من سيوف الهند مشهور
إن كان منّا ذوو إفك و مارقة
و عصبة دينها العدوان و الزّور
فإنّ منّا الّذي لا يستحثّ إذا
حثّ الجياد و ضمتها المضامير
مستنبط عزمات القلب من فكر
ما بينهنّ و بين اللّه معمور
/ يعني عبد اللّه بن هشام بن بسطام التغلبي، و كان قد أخذ قوّادهم.
شعر العتابي يجعل عبد الملك يأمر بالكف عن قتال ربيعة
فبلغت القصيدة عبد الملك، فأمر أبا عصمة بالكفّ عنهم، فلما قدم الرّشيد الرّافقة أنشده عبد الملك القصيدة، فقال: لمن هذه؟ فقال: لرجل من بني عتاب يقال له كلثوم بن عمرو، فقال: و ما يمنعه أن يكون ببابنا.
فأمر بإشخاصه من رأس [٦] عين، فوافى الرشيد و عليه قميص غليظ، و فروة و خفّ، و على كتفه ملحفة جافية بغير سراويل، فلما رفع الخبر بقدومه أمر الرشيد بأن تفرش له حجرة، و تقام له وظيفة، ففعلوا، فكانت المائدة إذا قدّمت إليه أخذ منها رقاقة و ملحا و خلط الملح بالتّراب فأكله بها، فإذا كانت وقت النوم نام على الأرض و الخدم يتفقّدونه، و يتعجبون من/ فعله.
[١] أ تندبني: أ تحثني و تدعوني.
[٢] زبره: زجره و انتهره.
[٣] مستعديا: مستنصرا مستعينا.
[٤] في س: «كذبت» و السياق يقتضي حذف التاء.
[٥] حوارين بضم أوله و تشديد الواو و كسر الراء و ياء ساكنة: قرية من قرى حلب. و ضبطها في «القاموس» بفتح الحاء. الدمنة: واحدة الدمن، و هي آثار الدار.
[٦] رأس عين: مدينة كبيرة من مدن الجزيرة بين حران و نصيبين.