الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٨ - جوائز الرشيد و سرور العتابي بما خلع عليه
إسحاق بن إبراهيم يعارض العتابي
فاشتبه على المأمون قوله، فنظر إلى إسحاق مستفهما، فأومأ إليه، و غمزه على معناه [١] حتّى/ فهم، فقال:
يا غلام، ألف دينار! فأتي بذاك، فوضعه بين يدي العتّابي، و أخذوا في الحديث، و غمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه، فجعل العتابي/ لا يأخذ في شيء إلّا عارضه فيه إسحاق، فبقي العتّابيّ متعجّبا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أ تأذن لي في سؤال هذا الشيخ عن اسمه؟ قال: نعم، سل. فقال لإسحاق: يا شيخ من أنت؟ و ما اسمك؟ قال: أنا من الناس، و اسمي كل بصل. فتبسم العتابي و قال: أمّا أنت فمعروف، و أما الاسم فمنكر. فقال إسحاق: ما أقل إنصافك، أ تنكر أن يكون اسمي كل بصل؟ و اسمك كل ثوم، و كل ثوم من الأسماء، أ و ليس البصل أطيب من الثّوم؟
فقال له العتّابي: للّه درّك، ما أحجّك [٢]، أ تأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أصله بما وصلتني به؟ فقال له المأمون:
بل ذلك موفّر عليك و نأمر له بمثله.
مصادقة العتابي لإسحاق
فقال له إسحاق: أمّا إذا أقررت بهذا، فتوهّمني تجدني، فقال: ما أظنّك إلا إسحاق الموصليّ، الّذي تناهى إلينا خبره، قال: أنا حيث ظننت. و أقبل عليه بالتحيّة و السلام، فقال المأمون، و قد طال الحديث بينهما: أمّا إذ قد اتّفقتما على المودّة، فانصرفا متنادمين. فانصرف العتّابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده.
إعجاب عبد اللّه بن طاهر بشعر العتابي
و ذكر أحمد بن طاهر أيضا أنّ مسعود بن عيسى العبديّ، حدّثه عن موسى بن عبد اللّه التميمي، قال: وفد إلى عبد اللّه بن طاهر جمع من الشّعراء، فعلم أنّهم على بابه، فقال لخادم له أديب: أخرج إلى القوم، و قل لهم: من كان منكم يقول كما قال العتّابيّ للرّشيد:
مستنبط عزمات القلب من فكر
ما بينهن و بين اللّه معمور [٣]
فليدخل، و ليعلم أنّي إن وجدته مقصّرا عن ذلك حرمته، فمن وثق من نفسه أنه يقول مثل هذا فليقم. قال:
فدخلوا جميعا إلّا أربعة نفر.
جوائز الرشيد و سرور العتابي بما خلع عليه
أخبرني الحسن بن علي قال، حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا عبد اللّه بن سعد عن إبراهيم بن الحدين، قال: وجد [٤] الرّشيد على العتّابي، فدخل سرّا مع المتظلّمين بغير إذن، فمثل بين يدي الرشيد، و قال له:
يا أمير المؤمنين، قد آذتني الناس لك و لنفسي فيك، و ردّني ابتلاؤهم إلى شكرك، و ما مع تذكّرك قناعة بغيرك، و لنعم الصّائن لنفسي كنت، لو أعانني عليك الصبر. و في ذلك أقول:
أخضني المقام الغمر إن كان غرّني
سنا خلّب أو زلّت القدمان [٥]
أ تتركني جدب المعيشة مقترا
و كفّاك من ماء الندي تكفان
و تجعلني سهم المطامع بعد ما
بللت يميني بالنّدى و لساني
قال: فأعجب الرّشيد قوله، و خرج عليه الخلع، و قد أمر له بجائزة، فما رأيت العتّابي قطّ أبسط منه يومئذ.
[١] غمزه على معناه: أشار.
[٢] ما أحجك: ما أكبر حجتك.
[٣] المستنبط: المستخرج.
[٤] وجد: غضب.
[٥] الغمر: الماء الكثير. سنا حلب: ضوء البرق الّذي لا يعقبه مطر.