الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٦ - سليح بن عمرو و نزولها ناحية فلسطين
فقالوا لها: فما ترين يا زرقاء؟ فقالت: «مقام و تنوخ، ما ولد مولود و أنقفت [١] فروخ [٢]، إلى أن يجيء غراب أبقع، أصمع [٣] أنزع [٤]، عليه خلخالا ذهب، فطار فألهب [٥]، و نعق فنعب، يقع على النخلة السّحوق [٦]، بين الدّور و الطريق، فسيروا على و وتيرة، ثم الحيرة الحيرة!». فسمّيت تلك القبائل تنوخ لقول الزرقاء: «مقام و تنوخ». و لحق بهم قوم من الأزد فصاروا إلى الآن في تنوخ، و لحق سائر قضاعة موت ذريع؛ و خرجت فرقة من بني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة يقال لهم: بنو تزيد، فنزلوا عبقر من أرض الجزيرة، فنسج نساؤهم الصّوف و عملوا منه الزرابيّ [٧]؛ فهي الّتي يقال لها العبقرية، و عملوا البرود الّتي يقال لها التّزيدية [٨]. و أغارت عليهم الترك، فأصابتهم، و سبت منهم. فذلك قول عمرو بن مالك:
ألا للّه ليل لم ننمه
على ذات الخضاب مجنبّينا [٩]
و ليلتنا بآمد لم ننمها
كليلتنا بميّا فارقينا [١٠]
بهراء تلحق بالبرك و تهزمهم
و أقبل الحارث بن قراد البهرانيّ ليعيث في بني حلوان، فعرض له أباغ بن سليح صاحب العين [١١]، فاقتتلا، فقتل أباغ، و مضت بهراء حتى لحقوا بالترك، فهزموهم و استنقذوا ما في أيديهم من بني تزيد. فقال الحارث بن قراد في ذلك:
كأنّ الدهر جمّع في ليال
ثلاث بتّهن بشهرزور [١٢]
صففنا للأعاجم من معدّ
صفوفا بالجزيرة كالسّعير
سليح بن عمرو و نزولها ناحية فلسطين
و سارت سليح بن عمرو بن الحاف بن قضاعة يقودها الحدرجان بن سلمة حتى نزلوا ناحية فلسطين على بني أذينة بن السّميدع من عاملة. و سارت أسلم بن الحاف و هي عذرة و نهد و حوتكة و جهينة و الحارث بن سعد، حتى نزلوا من الحجر إلى وادي القرى، و نزلت تنوخ/ بالبحرين سنتين. ثم أقبل غراب في رجليه حلقتا ذهب و هم في مجلسهم، فسقط على نخلة في الطريق، فينعق نعقات ثم طار؛ فذكروا قول الزرقاء، فارتحلوا حتّى نزلوا الحيرة.
[١] أنفقت فروخ، بالنون و القاف: ثقبت بيضها و خرجت.
[٢] الفروخ: جمع فرخ: و هو ولد الطير.
[٣] الأصمع: صغير الأذن.
[٤] الأبرع: منحسر الشعر من جانبي الجبهة.
[٥] ألهب: اشتدّ في طيرانه كما يلهب الفرس في عدوه.
[٦] السحوق: الطويلة.
[٧] الزرابي: الوسائد و البسط، أو كل ما اتكئ عليه.
[٨] في ط «الزيدية» و هو تحريف.
[٩] المجنبون: الذين انقطعت ألبان إبلهم.
[١٠] ميافارقين بفتح أوله و تشديد ثانيه: أشهر مدينة بديار بكر.
[١١] أي العين المشهورة بعين أباغ.
[١٢] شهرزور: معنى شهر بالفارسية: المدينة. قال مسعر بن مهلهل الأديب: شهرزور: مدينات و قرى فيها مدينة كبيرة، و هي قصبتها في وقتنا هذا يقال لها نيم أزراي. و من طريف ما ورد فيها قول أبي محمّد جعفر بن أحمد السراج:
وعدت بأن تزوري بعد شهر
فزوري قد تقضي الشهرزوري
و موعد بيننا نهر المعلى
إلى البلد المسمى شهرزور
فأشهر صدك المحتوم حق
و لكن شهر وصلك شهرزور