الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨ - عامل مكة أخذ بحق بني عقيل و يقتل جعفر بن علبة
و نسخت أيضا خبره من كتاب للنضر بن حديد، فخالف هاتين الرّوايتين، و قال فيه: كان جعفر بن علبة يزور نساء من عقيل بن كعب، و كانوا متجاورين هم و بنو الحارث بن كعب، فأخذته عقيل، فكشفوا دبر قميصه، و ربطوه إلى جمّته، و ضربوه بالسياط، و كتّفوه، ثم أقبلوا به و أدبروا على النّسوة اللاتي كان يتحدّث إليهن على تلك الحال ليغيظوهن، و يفضحوه عندهنّ، فقال لهم: يا قوم، لا تفعلوا فإن هذا الفعل مثلة، و أنا أحلف لكم بما يثلج صدوركم ألا أزور بيوتكم أبدا، و لا ألجها. فلم يقبلوا منه. فقال لهم: فإن لم تفعلوا ذلك فحسبكم ما قد مضى، و منّوا عليّ بالكفّ عنّى فإني أعدّه نعمة لكم و يدا لا أكفرها أبدا، أو فاقتلوني و أريحوني، فأكون رجلا آذى قوما في دارهم فقتلوه. فلم يفعلوا، و جعلوا يكشفون عورته بين أيدي النساء، و يضربونه، و يغرون به سفهاءهم حتى شفوا أنفسهم منه، ثم خلّوا سبيله. فلم تمض إلا أيام قليلة حتى عاد جعفر و معه صاحبان له، فدفع، راحلته حتى أولجها البيوت، ثم مضى. فلما كان في نقرة من الرمل أناخ هو و صاحباه، و كانت عقيل أقفى خلق اللّه لأثر، فتبعوه حتى انتهوا إليه و إلى صاحبيه، و العقيليّون مغترّون ليس مع أحد منهم عصا و لا سلاح، فوثب عليهم جعفر بن علبة و صاحباه بالسيوف فقتلوا منهم رجلا و جرحوا آخر و افترقوا، فاستعدت عليهم عقيل السريّ/ ابن عبد اللّه الهاشميّ عامل المنصور على مكة، فأحضرهم و حبسهم، فأقاد من الجارح، و دافع عن جعفر بن علبة- و كان يحبّ أن يدرأ عنه الحدّ لخئولة أبي العباس السفاح في بني الحارث، و لأن أخت جعفر كانت تحت السريّ بن عبد اللّه، و كانت حظية عنده- إلى أن أقاموا عليه قسامة: أنه قتل صاحبهم. و توعدوه بالخروج إلى أبي جعفر و التظلم إليه، فحينئذ دعا بجعفر فأقاد منه، و أفلت عليّ بن جعدب من السجن فهرب. قال و هو ابن أخي جعفر بن علبة. فلما أخرج جعفر للقود قال له غلام من قومه: أسقيك شربة من ماء بارد؟ فقال له: اسكت لا أمّ لك، إني إذا لمهياف [١].
و انقطع شسع نعله [٢] فوقف فأصلحه، فقال له رجل: أ ما يشغلك عن هذا ما أنت فيه؟ فقال:
أشدّ قبال نعلي [٣] أن يراني
عدوّي للحوادث مستكينا
قال: و كان الّذي ضرب عنق جعفر بن علبة نحبة بن كليب أخو المجنون، و هو أحد بني عامر بن عقيل، فقال:
في ذلك:
شفى النفس ما قال ابن علبة جعفر
و قولي له اصبر ليس ينفعك الصبر
هوى رأسه من حيث كان كما هوى
عقاب تدلّى طالبا جانب الوكر [٤]
أبا عارم، فينا عرام [٥] و شدّة
و بسطة أيمان سواعدها شعر
هم ضربوا بالسيف هامة جعفر
و لم ينجه برّ عريض و لا بحر
و قدناه قود البكر قسرا و عنوة
إلى القبر حتى ضم أثوابه القبر
/ و قال علبة يرثي ابنه جعفرا:
لعمرك إني يوم أسلمت جعفرا
و أصحابه للموت لما أقاتل
لمتجنب حبّ المنايا و إنما
يهيج المنايا كلّ حق و باطل
[١] المهياف: الّذي لا يصبر على العطش.
[٢] شسع النعل: أحد سيورها، و هو الّذي يدخل بين الإصبعين و يدخل طرفه في الثقب الّذي في صدر النعل المشدود في الزمام.
و الزمام: السير الّذي يعقد فيه الشسع.
[٣] قبال النعل (بالكسر): شسعها.
[٤] كذا في الأصول و لا يستقيم بغيره الشعر، و فيه إقواء. و الّذي في «كتب اللغة»: أن العقاب مؤنثة. و قيل العقاب يقع على الذكر و الأنثى، إلا أن يقولوا: هذا عقاب. ذكره في «اللسان» مادة عقب.
[٥] العرام (بالضم): الشدّة و القوّة و الشراسة.