الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠ - أرطأة يناجي قبر ولده في العشي حولا كاملا
ضربت عمودى بانة [١] سموا معا
فخرّت و لم أتبع قلوصي بدعدع
و لو أنها حادت [٢] عن الرمس نلتها
ببادرة من سيف أشهب [٣] موقع
تركتك إن تحيي تكوسي [٤] و إن تنؤ
على الجهد تخذلها توال فتصرع
فدع ذكر من قد حالت الأرض دونه
و في غير من قد وارت الأرض فاطمع
أرطأة يناجي قبر ولده في العشي حولا كاملا
و قد أخبرني بهذا الخبر محمّد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، فذكر أن أرطاة كان يجيء إلى قبر ابنه عشيّا فيقول: هل أنت رائح معي يا ابن سلمى؟ ثم ينصرف فيغدو عليه و يقول له مثل ذلك حولا، ثم تمثّل قول لبيد:
إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما
و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر
/ أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا المدائني قال: قال أرطاة بن سهيّة يوما للربيع بن قعنب كالعابث به:
لقد رأيتك عريانا و مؤتزرا
فما دريت أ أنثى أنت أم ذكر
فقال له الربيع:
لكن سهيّة تدري إذ أتيتكم
على عريجاء لما احتلّت الأزر [٥]
فغلبه الربيع، و لجّ الهجاء بينهما، فقال الربيع بن قعنب يهجو أرطاة:
و ما عاشت بنو عقفان إلا
بأحلام كأحلام الجواري
و ما عقفان من غطفان إلا
تلمّس مظلم بالليل ساري
إذا نحرت بنو غيظ جزورا
دعوهم بالمراجل و الشّفار
طهاة اللحم حتى ينضجوه
و طاهي اللحم في شغل و عار
فقال أرطاة يجيبه و يعيّره بأن أمّة من عبد القيس:
و هذا الفسو [٦] قد شاركت فيه
فمن شاركت في أير الحمار [٧]
و أيّ الناس أخبث من [٨] هبلّ
فزارىّ و أخبث ريح دار
[١] البانة: واحدة شجر البان، و هو شجر يسمو و يطول في استواء. وسموا معا و ارتفعا. و في النسخ «شمرا» و لا وجه له. شبه بها راحلته الّتي عفرها على قبر ابنه. و دعدع: كلمة يدعى بها للعاثر في معنى قم و انتعش و اسلم.
[٢] في ط: «جارت».
[٣] الأشهب: النصل الّذي برد بردا خفيفا فلم يذهب سواده كله. و الموقع هنا: الوقيع. و الوقيع من السيوف ما شحذ بالحجر.
[٤] تكوسى: تمشى على ثلاث قوائم.
[٥] عريجاء: موضع. احتلت، كذا وردت. و المعروف «انحلت».
[٦] الفسو عرف به حي من عبد القيس يقال لهم الفساة. حكى أنه جاء رجل منهم يقال له زيد بن سلامة ببردى حبرة إلى سوق عكاظ فقال: من يشتري منا هذا الفسو بهذين البردين، فقام رجل من مهو، يقال له: عبد اللّه بن بيذرة فارتدى بأحدهما و ائتزر بالآخر فسمى مشترى الفسو ببردى حبرة فضرب به المثل فقيل «أخيب صفقة من شيخ مهو». انظر اللسان و القاموس و شرحه (مادة فسا).
[٧] نبزه بذلك لما كانت تعير به فزارة من أكل أير الحمار. قال سالم بن دارة:
لا تأمنن فزاريا خلوت به
على قلوصك و اكتبها بأسيار
لا تأمننه و لا تأمن من بواثقه
من بعد ما امتل أير العير في النار
[٨] الهبل: الثقيل المسن الكبير من الناس و الإبل.