الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣ - مدحه مروان لما اجتمع له أمر الخلافة
دخل أرطاة بن سهيّة على عبد الملك بن مروان، فاستنشده شيئا مما كان يناقض [١] به شبيب بن البرصاء، فأنشده:
أبي كان خيرا من أبيك و لم يزل
جنيبا لآبائي و أنت جنيب [٢]
فقال له عبد الملك بن مروان: كذبت، شبيب خير منك أبا. ثم أنشده:
و ما زلت خيرا منك مذ عضّ كارها
برأسك عاديّ النّجاد رسوب [٣]
معرفة عبد الملك مقادير الناس على بعدهم
فقال له عبد الملك: صدقت، أنت في نفسك خير من شبيب. فعجب من عبد الملك من حضر و من معرفته مقادير الناس [٤] على بعدهم منه في بواديهم، و كان الأمر على ما قال: كان شبيب أشرف أبا من أرطاة، و كان أرطاة أشرف فعلا و نفسا من شبيب.
ما قاله لعبد الملك و قد أسنّ
/ أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعيّ قال حدّثنا عمرو بن بحر الجاحظ و دماذ أبو غسّان، قالا جميعا، قال أبو عبيدة:
دخل أرطاة بن سهيّة على عبد الملك بن مروان، فقال له: كيف حالك يا أرطاة؟- و قد كان أسنّ- فقال:
ضعفت أوصالي، و ضاع مالي، و قلّ منّي ما كنت أحبّ كثرته، و كثر مني ما كنت أحبّ قلّته. قال: فكيف أنت في شعرك؟ فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما أطرب و لا أغضب و لا أرغب و لا أرهب، و ما يكون الشعر إلا من نتائج هذه الأربع، و على أنّي القائل:
رأيت المرء تأكله اللّيالي
كأكل الأرض ساقطة الحديد
و ما تبغي المنيّة حين تأتي
على نفس ابن آدم من مزيد
و أعلم أنها ستكرّ حتّى
توفّي نذرها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك ثم قال: بل توفّى نذرها بك ويلك! ما لي و لك؟ فقال: لا ترع يا أمير المؤمنين،/ فإنّما عنيت نفسي- و كان أرطاة يكنى أبا الوليد فسكّن عبد الملك، ثم استعبر باكيا و قال: أما و اللّه على ذلك لتلمّنّ [٥] بي.
أخبرني به حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان محمّد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت، فذكر قريبا منه يزيد و ينقص و لا يحيل [٦] معنى.
مدحه مروان لما اجتمع له أمر الخلافة
أخبرني عبد الملك بن مسلمة القرشيّ الهشاميّ بأنطاكية [٧] قال أخبرني أبي عن أهلنا أن أرطاة بن سهيّة دخل على مروان بن الحكم لما اجتمع له أمر الخلافة.
[١] يناقض: يعارض، و المناقضة هي أن يعارض الشاعر غيره في قصيدته من نفس الوزن و الروي.
[٢] الجنيب: الطائع المنقاد.
[٣] النجاد: حمائل السيف. و عادي النجاد: سيف قديم، كأنه لقدمه أدرك زمن عاد، و الرسوب: الماضي الّذي يغيب في الضريبة و يرسب. و في ب، س، ط: «ركوب» و لا وجه له.
[٤] في ط «بسائر الناس».
[٥] لتلمنّ بي: لتنزلن بي.
[٦] أحال الكلام يحيله إحالة: عيره و فسده.
[٧] أنطاكية (بتخفيف الياء): بلد معروف في شمال الساحل الشامي.