الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٢ - نسبة هذا الصوت الذي غنته حسنة
عنها. فأمر لي بخمسة آلاف درهم، و لا و اللّه ما كان في نفسي منها شيء، و لو كنت أحبها لم أبال إذا رجعت إليّ بمن تداولها، و لم أبال لو ناكها أهل منى كلّهم.
أخبرني عمي عن الحسن عن أحمد بن أبي طاهر عن عبد اللّه بن أبي سعد عن محمّد بن الفضل الهاشمي عن سلام الأبرش قال:
الرشيد يتداوى بالجمار و يقطع إحدى نخلتي حلوان
لما خرج الرشيد إلى طوس هاج به الدم بحلوان، فأشار عليه الطبيب أن يأكل جمّارا [١]، فأحضر دهقان حلوان و طلب منه جمّارا، فأعلمه أن بلده ليس بها نخل، و لكن على العقبة نخلتان، فمر بقطع إحداهما. فقطعت، فأتي الرشيد بجمارتها، فأكل منها و راح [٢]. فلما انتهى إلى العقبة نظر إلى إحدى النخلتين مقطوعة و الأخرى قائمة، و إذا على القائمة مكتوب:
أسعداني يا نخلتي حلوان
و ابكيا لي من ريب هذا الزمان
أسعداني و أيقنا أنّ نحسا
سوف يلقاكما فتفترقان
فاغتم الرشيد، و قال: يعزّ عليّ أن أكون نحستكما، و لو كنت سمعت بهذا الشعر ما قطعت هذه النخلة و لو قتلني الدم.
/ أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا الحارثي بن أبي أسامة قال حدّثني محمّد بن أبي محمّد القيسيّ عن أبي سمير عبد اللّه بن أيوب قال:
لما خرج المهدي فصار بعقبة حلوان استطاب الموضع فتغدّى و دعا بحسنة فقال لها: أ ما ترين طيب هذا الموضع؟ غنيني بحياتي حتى أشرب هاهنا أقداحا، فأخذت محكّة كانت في يده و أوقعت على/ مخدّة [٣] و غنّته:
أيا نخلتي وادي بوانة حبّذا
إذا نام حراس النخيل جناكما
فقال: أحسنت، و لقد هممت بقطع هاتين النخلتين- يعني نخلتي حلوان- فمنعني منهما هذا الصوت. و قالت له حسنة: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين أن تكون النحس المفرق بينهما. فقال لها: و ما ذاك؟ فأنشدته أبيات مطيع هذه.
فلما بلغت إلى قوله:
أسعداني و أيقنا أن نحسا
سوف يلقاكما فتفترقان
قال: أحسنت و اللّه فيما قلت، إذ نبهتني على هذا، و اللّه لا أقطعهما أبدا، و لأوكلنّ بهما من يحفظهما و يسقيهما ما حييت. ثم أمر بأن يفعل، فلم يزل في حياته على ما رسمه إلى أن مات.
نسبة هذا الصوت الّذي غنته حسنة
أيا نخلتي وادي بوانة حبّذا
إذا نام حرّاس النخيل جناكما
فطيبكما أربى على النخل بهجة
و زاد على طول الفتاء فتاكما [٤]
[١] الجمار: شحم النخل. و في ح: «بأكل جمار».
[٢] راح: نشط و ارتاح.
[٣] في «معجم البلدان»: «على فخذه».
[٤] الفتاء: الشباب.