الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٧ - قدوم عبد الرحمن بن الحكم على معاوية مغاضبا
يتوثّب على كنائنه [١] بعد هجعة الناس- و كان عبد الرحمن يتهم بذلك في امرأة أخيه- فخجل عبد الرحمن و قال: يا أمير المؤمنين، و ما حملك على عزل ابن عمّك، أ لجناية أوجبت سخطا، أم لرأي رأيته، و تدبير استصلحته؟ قال:
لتدبير استصلحته. قال: فلا بأس بذلك، و خرج من عنده فلقي أخاه مروان، فأخبره بما جرى بينه و بين معاوية، فاستشاط غيظا، و قال لعبد الرحمن: قبحك اللّه، ما أضعفك، أ عرّضت للرجل بما أغضبه حتى إذا انتصف منك أحجمت عنه؟ ثم لبس حلّته، و ركب فرسه، و تقلّد سيفه، و دخل على معاوية، فقال له حين رآه و تبيّن الغضب في وجهه: مرحبا بأبي عبد الملك، لقد زرتنا عند اشتياق منّا إليك. قال: لاها [٢] اللّه ما زرتك لذلك، و لا قدمت عليك فألفيتك إلّا عاقّا قاطعا، و اللّه/ ما أنصفتنا و لا جزيتنا جزاءنا. لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص، و الصّهر برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لهم، و الخلافة فيهم، فوصلوكم يا بني حرب و شرّفوكم، و ولّوكم فما عزلوكم و لا آثروا عليكم، حتّى إذا ولّيتم و أفضى الأمر إليكم، أبيتم إلا أثرة و سوء صنيعة، و قبح قطيعة، فرويدا رويدا، قد بلغ بنو الحكم و بنو بنيه نيّفا و عشرين، و إنما هي أيّام قلائل حتّى يكملوا أربعين و يعلم امرؤ أين يكون منهم حينئذ، ثم هم للجزاء بالحسنى و بالسوء بالمرصاد.
قال عمّي في خبره: فقال له معاوية: عزلتك لثلاث لو لم يكن منهنّ إلّا واحدة لأوجبت عزلك: إحداهنّ إنّي أمّرتك على عبد اللّه بن عامر و بينكما ما بينكما، فلم تستطع أن تشتفي منه. و الثانية كراهتك لأمر زياد. و الثالثة أن ابنتي رملة استعدتك [٣] على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها [٤]. فقال له مروان: أما ابن عامر فإنّي لا أنتصر في سلطاني، و لكن إذا تساوت الأقدام علم أين موقعه. و أمّا كراهتي أمر زياد فإنّ سائر بني أمية كرهوه، ثم جعل اللّه لنا في ذلك الكره خيرا كثيرا. و أما استعداء رملة على عمرو فو اللّه إنّى لتأتي عليّ سنة أو أكثر و عندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا- يعرّض بأن رملة إنما تستعدي عليه طلبا للنكاح- فقال له معاوية: يا ابن الوزغ [٥]، لست هناك.
فقال له مروان: هو ذاك الآن، و اللّه إني لأبو عشرة و أخو عشرة و عمّ عشرة، و قد كاد ولدي أن يكملوا العدّة- يعني أربعين- و لو قد بلغوها لعلمت أين تقع منّي! فانخزل معاوية ثم قال:
/
فإن آك في شراركم قليلا
فإنّي في خياركم كثير
بغاث الطّير أكثرها فراخا
و أمّ الصّقر مقلات نزور [٦]
قال: فما فرغ مروان من كلامه حتى استخذى معاوية في يده و خضع له، و قال: لك العتبى [٧]، و أنا رادّك إلى عملك. فوثب مروان و قال له: كلّا و اللّه و عيشك لا رأيتني عائدا إليه أبدا./ و خرج، فقال الأحنف لمعاوية: ما رأيت لك قطّ سقطة مثلها، ما هذا الخضوع لمروان؟ و أيّ شيء يكون منه و من بني أبيه إذا بلغوا أربعين؟ و أيّ شيء تخشاه منهم؟ فقال له: ادن منّي أخبرك بذلك. فدنا منه، فقال له: إنّ الحكم بن أبي العاص كان أحد من وفد مع أختي أمّ حبيبة [٨] لما زفّت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو الّذي تولّى نقلها إليه، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يحدّ النّظر إليه، فلما خرج من عنده قيل له: يا رسول اللّه، لقد أحددت النّظر إلى الحكم! فقال: «ابن المخزومية؛ ذلك رجل إذا بلغ
[١] كنائن: جمع كنة بفتح الكاف: امرأة الابن أو الأخ، و هو جمع نادر توهموا فيه «فعيلة» و نحوها، مما يجمع على فعائل.
[٢] ها، في مثل هذا الأسلوب للتنبيه دخلت على حرف القسم المحذوف، أو هي بدل من تاء القسم. انظر «مغني اللبيب» و «حاشية الأمير».
[٣] استعدتك: استغاثت بك و استنصرتك.
[٤] أعداه عليه: نصره و أعانه.
[٥] الوزغ: جمع وزغة: سام أبرص، سميت بها لخفتها و سرعة حركتها.
[٦] بغاث الطير: أضعفها. و المقلات: الناقة الّتي تضع واحدا ثم لا تحمل، و المرأة الّتي لا يعيش لها ولد. و النزور: القليلة النسل.
[٧] العتبى بالضم: الرضا.
[٨] أم حبيبة، هي رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، زوج الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم.