الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٩ - الوليد و ابن هبيرة يأمران عبد الله بمبارزة رجل في بركة ماء
متنكّرا، فدخل داري، و تحرّم بطعامي، و استكساني فكسوته ثوبا من ثيابي، و أعاذني فأعذته، و في دون هذا ما حظر عليّ دمه، و عبد اللّه أقلّ و أذلّ من أن يوقع أمرا، أو ينكث عهدا في قتله خوفا من شره، فإن شكر النعمة و أقام على الطاعة فلا سبيل عليه، و إن كفر ما أوتي و شاقّ اللّه و رسوله و أولياءه فاللّه قاتله بسيف البغي الّذي قتل به نظراؤه و من هو أشدّ بأسا و شكيمة منه، من الملحدين، فلا تعرض له و لا لأحد من أهل بيته [١] إلا بخير، و السلام.
الوليد و ابن هبيرة يأمران عبد اللّه بمبارزة رجل في بركة ماء
أخبرني محمّد بن يحيى الصولي، قال: حدّثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني، قال:
كانت في القريتين [٢] بركة من ماء، و كان بها رجل من كلب يقال له دعكنة،/ لا يدخل البركة معه أحد إلا غطّه [٣] حتى يغلبه، فغطّ يومها فيها رجلا من قيس بحضرة الوليد بن عبد الملك حتّى خرج هاربا، فقال ابن هبيرة و هو جالس عليها يومئذ: اللهم اصبب علينا أبا الأقيرع عبد اللّه بن الحجاج. فكان أوّل رجل انحدرت به راحلته، فأناخها و نزل، فقال ابن هبيرة للوليد: هذا أبو الأقيرع و اللّه يا أمير المؤمنين، أيهما أخزى اللّه صاحبه به. فأمره الوليد أن ينحطّ عليه في البركة/ و الكلبيّ فيها واقف متعرض للناس و قد صدّوا عنه. فقال له: يا أمير المؤمنين إني أخاف أن يقتلني فلا يرضى قومي إلّا بقتله، أو أقتله فلا ترضي قومه إلّا بمثل ذلك، و أنا رجل بدويّ و لست بصاحب مال. فقال دعكنة: يا أمير المؤمنين هو في حلّ و أنا في حلّ. فقال له الوليد: دونك. فتكأكأ [٤] ساعة كالكاره حتى عزم عليه الوليد، فدخل البركة، فاعتنق الكلبيّ و هوى به إلى قعرها، و لزمه حتّى وجد الموت، ثم خلّى عنه، فلما علا غطّه غطّة ثانية، و قام عليه ثم أطلقه حتى تروّح، ثم أعاده و أمسكه حتّى مات، و خرج ابن الحجاج و بقي الكلبيّ، فغضب الوليد و همّ به، فكلّمه يزيد و قال: أنت أكرهته، أ فكان يمكّن الكلبيّ من نفسه حتّى يقتله؟ فكف عنه. فقال عبد اللّه بن الحجّاج في ذلك:
نجّاني اللّه فردا لا شريك له
بالقريتين و نفس صلبة العود
و ذمّة من يزيد حال جانبها
دوني فأنجيت عفوا غير مجهود [٥]
لو لا الإله و صبري في مغاطستي
كان السليم و كنت الهالك المودي
صوت
يا حبّذا عمل الشيطان من عمل
إن كان من عمل الشيطان حبّيها [٦]
لنظرة من سليمى اليوم واحدة
أشهى إليّ من الدّنيا و ما فيها [٧]
الشعر لناهض بن ثومة الكلابيّ، أنشدنيه هاشم بن محمّد الخزاعيّ، قال: أنشدنا الرياشيّ قال: أنشدنا ناهض بن ثومة أبو العطاف الكلابيّ هذين البيتين لنفسه. و أخبرني بمثل ذلك عمي من الكرانيّ عن الرياشي. و الغناء لأبي العبيس ابن حمدون ثقيل أوّل ينشد بالوسطى.
[١] فيما عدا ش: «أهله سيئة».
[٢] القريتان: قرية بحمص.
[٣] غطه: غطسة.
[٤] تكأكأ: نكص و جبن.
[٥] فأنجيت بالجيم في ش، أما في ح، س فبالحاء، و هو تصحيف.
[٦] حبيها: أي حبي إياها.
[٧] لنظرة بالنون، و روى في ش، ح بالقاف، و هو تحريف.