الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١١ - التجاؤه إلى أحيح بن خالد و هجاؤه إياه حين غدر به
و أرى الّذي يرجو تراث محمّد
أفلت نجومهم و نجمك يسطع [١]
/ فقال عبد الملك: ذلك جزاء أعداء اللّه. فقال عبد اللّه بن الحجاج:
فانعش أصيبيتى الألاء كأنّهم
جحل تدرّج بالشّربة جوّع [٢]
فقال عبد الملك: لا أنعشهم اللّه، و أجاع أكبادهم، و لا أبقى وليدا من نسلهم، فإنهم نسل كافر فاجر لا يبالي ما صنع [٣]. فقال عبد اللّه:
مال لهم مما يضنّ جمعته
يوم القليب فحيز عنهم أجمع [٤]
فقال له عبد الملك: لعلك أخذته من غير حلّه، و أنفقته في غير حقّه، و أرصدت به لمشاقّة [٥] أولياء اللّه، و أعددته لمعاونة أعدائه، فنزعه منك إذ استظهرت به على معصية اللّه. فقال عبد اللّه:
أدنو لترحمني و تجبر فاقتي
فأراك تدفعني فأين المدفع [٦]
فتبسم عبد الملك، و قال له: إلى النار، فمن أنت الآن؟ قال: أنا عبد اللّه بن الحجاج الثعلبيّ، و قد وطئت دارك و أكلت طعامك، و أنشدتك، فإن قتلتني بعد ذلك فأنت و ما تراه، و أنت بما عليك في هذا عارف. ثم عاد إلى إنشاده، فقال:
ضاقت ثياب الملبسين و فضلهم
عنّي فألبسني فثوبك أوسع
فنبذ عبد الملك إليه رداء كان على كتفه، و قال: البسه، لا لبست! فالتحف به، ثم قال له عبد الملك: أولى لك و اللّه، لقد طاولتك طمعا في أن يقوم بعض/ هؤلاء فيقتلك، فأبى اللّه ذلك، فلا تجاورني في بلد، و انصرف آمنا، قم حيث شئت.
- قال اليزيدي في خبره: قال عبد اللّه بن الحجاج: ما زلت أتعرّف منه كلّ ما أكره حتى أنشدته قولي:
ضاقت ثياب الملبسين و فضلهم
عني فألبسني فثوبك أوسع
فرمى عبد الملك مطرفه [٧]، و قال: البسه. فلبسته- ثم قال: آكل يا أمير المؤمنين؟ قال: كل. فأكل حتّى شبع، ثم قال: أمنت و ربّ الكعبة؟ فقال: كن من شئت إلا عبد اللّه بن الحجاج. قال: فأنا و اللّه هو، و قد أكلت طعامك، و لبست ثيابك، فأيّ خوف عليّ بعد ذلك؟ فأمضى له الأمان.
التجاؤه إلى أحيح بن خالد و هجاؤه إياه حين غدر به
و نسخت من كتاب أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي، قال:
[١] هذا البيت في كل الأصول، و ليس في ح. و الّذي هنا بمعنى الذين. كما في قوله تعالى: وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا و كقول الشاعر:
و إن الّذي حانت بفلج دماؤهم
هم القوم كل القوم يا أم خالد
[٢] الألاء لغة في الألى، مثل ما جاء في قوله:
أبى اللّه للشم الألاء كأنهم
سيوف أجاد القين يوما صقالها
و روى: «فارحم أصيبيتي هديت فإنهم». الحجل: ضرب من الطير، و اسم الجمع منه الحجلى. و البيت في «اللسان» (حجل) برواية: «حجل تدرج». الشربة: الأرض المعشبة لا شجر بها، و موضع بنجد.
[٣] الكلام من «و لا أبقى» إلى هنا ساقط من ح.
[٤] ورد في ح: «ما إن لهم مما تظن». حيز عنهم: أبعد.
[٥] المشاقة: المعاداة و المحاربة.
[٦] فأين المدفع: أين الجهة الّتي تدفعني إليها لأنال منها.
[٧] المطرف بضم الأوّل و كسره: رداء من خز مربع ذو أعلام.