الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٣ - عفة النمري
ويحك يا فضل تفوّتني النمريّ؟ قال: يا سيدي، هو عندي قد حصّلته. قال: فجئني. و كان الفضل قد أمره أن يطوّل شعره، و يكثر مباشرة الشمس ليشحب و تسوء حالته، ففعل، فلما أراد إدخاله عليه ألبسه فروة مقلوبة، و أدخله عليه، و قد عفا [١] شعره، و ساءت حالته، فلما رآه، قال: السيف! فقال الفضل: يا سيدي من هذا الكلب حتى تأمر بقتله بحضرتك؟ قال: أ ليس هو القائل:
إلا مساعير يغضبون لها
بسلّة البيض و القنا الذابل
/ فقال منصور: لا يا سيدي ما أنا قائل هذا، و لقد كذب عليّ، و لكني القائل:
يا منزل الحي ذا المغاني
انعم صباحا على بلاكا [٢]
هارون يا خير من يرجّى
لم يطع اللّه من عصاكا
في خير دين و خير دنيا
من اتّقى اللّه و اتقاكا
فأمر بإطلاقه و تخلية سبيله، فقال منصور يمدح الفضل بن الربيع:
رأيت الملك مذ آزر
ت قد قامت محانيه [٣]
هو الأوحد في الفضل
فما يعرف ثانيه
عفة النمري
أخبرني عمي، قال: حدّثنا ابن أبي سعد، قال: حدّثني علي بن مسلم بن الهيثم الكوفيّ عن محمّد بن أرتبيل، قال:
اجتمع عند المأمون قبل خلافته، و ذلك في أيام الرشيد، منصور/ النمري و الخزيميّ و العباس بن زفر، و عنده جعفر بن يحيى، فحضر الغداء، فأتي المأمون بلون من الطعام، فأكل منه فاستطابه، فأمر به فوضع بين يدي جعفر بن يحيى، فأصاب منه، ثم أمر به فوضع بين يدي العباس فأكل منه، ثم نحّاه، فأكل منه بعده الخزيمي و غيره- و لم يأكل منه النّمري- و ذلك بعين المأمون، فقال له: لم لم تأكل؟ فقال: لئن أكلت ما أبقى هؤلاء إني لنهم.
قال: فهل قلت في هذا شيئا؟ قال: نعم، قلت:
لهفي أ تطعمها قينسا و آكلها
إني إذا لدنيء النفس و الخطر [٤]
ما كان جدي و لا كان الهمام أبي
ليأكلا سؤر عباس و لا زفر
/ شتان من سؤر عباس و فضلته
و سؤر كلب مغطّى العين بالوبر [٥]
ما زال يلقم و الطّباخ يلحظه
و قد رأى لقما في الحلق كالعجر [٦]
[١] عفا شعره: طال و كثر.
[٢] البلى: القدم.
[٣] آزرت: عاونت و صرت وزيرا. محانيه: معاطفه. و في الأصول:
رأيت الملك و هذا زر
ت قد قامت أحانيه
[٤] الخطر: القدر و المنزلة.
[٥] السؤر: البقية و الفضلة.
[٦] العجر جمع عجرة: و هي العقدة.