الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠ - انتعاش المأمون ببنين لأبي الطمحان في ساعة اكتئابه
إليكم بني لأم تخبّ هجانها
بكلّ طريق صادفته شبارق [١]
لكم نائل غمر و أحلام سادة
و ألسنة يوم الخطاب مسالق [٢]
و لم يدع داع مثلكم لعظيمة
إذا و زمت بالساعدين السّوارق [٣]
السوارق: الجوامع [٤]، واحدتها سارقة.
قال فابتاعه بجير من الطائيّين بحكمهما، فجزّ ناصيته و اعتقه.
جواره في بني جديلة و قتل تيس له غلاما منهم و شعره في ذلك
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أبو أيّوب المديني قال: حدّثني مصعب بن عبد اللّه الزّبيري قال:
كان أبو الطّمحان القينيّ مجاورا لبطن من طيّىء يقال لهم بنو جديلة، فنطح تيس له غلاما منهم فقتله، فتعلّقوا أبا الطمحان و أسروه حتى أدّى [٥] ديته مائة من الإبل. و جاءهم نزيله، و كان يدعى هشاما، ليدفع عنه فلم يقبلوا قوله؛ فقال له أبو الطمحان:
أتاني هشام يدفع الضّيم جاهدا
يقول ألا ما ذا ترى و تقول
فقلت له قم يا لك الخير أدّها
مذلّلة إنّ العزيز ذليل
فإن يك دون القين أغبر شامخ
فليس إلى القين الغداة سبيل [٦]
انتعاش المأمون ببنين لأبي الطمحان في ساعة اكتئابه
أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن مالك، عن إسحاق قال:
دخلت يوما على المأمون فوجدته حائرا متفكّرا غير نشيط، فأخذت أحدّثه بملح الأحاديث و طرفها، أستميله لأن يضحك أو ينشط، فلم يفعل. و خطر ببالي بيتان فأنشدته إيّاهما، و هما:
ألا علّلاني قبل نوح النّوائح [٧]
و قبل نشوز [٨] النفس بين الجوانح
و قبل غد، يا لهف نفسي على غد
إذا راح أصحابي و لست برائح [٩]
[١] تخب: تسير الخبب، و هو العدو السريع. و الهجان: كرام الإبل. و الشبارق: جمع شبرق بكسر الشين و الراء، و هو شجر منبته نجد و تهامة، و ثمرته شاكة صغيرة الجرم حمراء مثل الدم منبتها السباخ و القيعان، و إذا يبس فهو الضريع.
[٢] مسالق: ذربة حادة؛ و منه قوله تعالى: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ.
[٣] في ب، س، ط: «إذا رزمت» و هو تحريف. و وزمت: عضت. و رواية «اللسان» و «أساس البلاغة» (مادة أزم): «إذا أزمت». و الأزم:
العض كالوزم.
[٤] الجوامع: القيود الّتي تشد بها سواعد الأسرى و المحبوسين.
[٥] لعلّها: يؤدي.
[٦] القين: قبيلة أبي الطمحان منسوبة إلى جدّه القين بن جسر. يقول: إنه منقطع عن قبيلته و أهل نصرته بما يقوم بينه و بينهم من مفازة و جبل، فلا مناص من أداء دية الغلام المقتول. و إذا كان في أدائها معنى من معاني الذل، لأن جرح العجماء جبار (بضم الجيم) و هو يذهب هدرا، فإن العزيز يذل إذا وقع في مثل ما وقع فيه أبو الطمحان.
[٧] و في «الحماسة»: «و يروى قبل صدح الصوادح». و الصدح: شدّة صوت الديك و الغراب و غيرهما.
[٨] النشوز: ارتفاع الشيء عن موضعه، و نشوز النفس بين الجوانح: خروجها منها عند الموت. و في «الحماسة»: «و قبل ارتقاء النفس فوق الجوانح». و الجوانح: ضلوع الصدر. و ارتقاء النفس فوقها: بلوغها التراقي.
[٩] راح أصحابي: رجعوا في العشية إلى منازلهم و بقيت في قبري منفردا.