الإيضاح في علوم البلاغة، المعاني و البيان و البديع - خطیب قزوینی - الصفحة ١٧
الانحراف المعنوي بها في المنابع الدينى؛ فاشتدّت الحاجة إلى تدوين قواعد اللغة العربيّة و هذا «عامل اجتماعي» لتدوينه، مضافا إلى أنّ كلّ لغة يحتاج في حفظ أصالتها و بقاءها في طول الأزمنة المتوالية إلى قواعد مدوّنة مضبوطة و هذا «عامل علميّ» فأسّس أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أساس علم النحو و أبدء نشأته العلميّة حين سأله أبو الأسود الدُّئلي عنه عليه السّلام حيث قال عليه السّلام له:
الكلمة كلّه اسم و فعل و حرف؛ الاسم ما أنبأ عن المسمّى و الفعل ما أنبىء به، و الحرف ما أفاد معنى.
و اعلم أنّ الأسماء ثلاثة: ظاهر و مضمر و اسم لا ظاهر و لا مضمر. و إنّما يتفاضل النّاس فيما ليس بظاهر و لا مضمر و الرفع للفاعل و النصب للمفعول و الجرّ للمجرور.
ثمّ أضاف عليه السّلام قواعد باب الاستفهام و النعت و الحروف المشبّهة بالفعل. [١] و أبو الأسود تبع كلامه عليه السّلام و بسط هذه القواعد المأخوذة من كلام العرب و دوّنها فتولّد علم النحو العربي في القرن الأوّل الإسلامي و ارتقاه و وسّعه تلامذة أبي الأسود و السلسلة الآتية بعدها فتكامل مرحلة بعد أخرى. و بما أنّ أبا الأسود رجل بصريّ بدأ علم النحو في البصرة و نشأ البحث حول مسائله و تدوينها فيها ثمّ منها شاع في الكوفة و بعد مدّة في غيرها.
المذاهب النحويّة
تطوّر علم النحو و تكامل بعد تأسيسه و بسطت مباحثه و صنّفت مطالبه ثمّ بدأت المذاهب النحويّة بالآراء المختلفة في مسائله.
و قد تقدّم أنّ أبا الأسود و تلامذته هم أوّل من دوّنوا القواعد النحويّة في البصرة؛ فالبصريون تقدّموا في التدوين و الرأي على الآخرين و ظهر فيها نحاة كبراء كعبد اللّه بن أبي اسحق الحضرمي- و هو أوّل من استدلّ على القواعد النحويّة- و ميمون الأقرن و
[١] . راجع: أعيان الشيعة، ج ١، ص ٣٤٢؛ المعجب في النحو، ص ٣؛ حاشية الخضري، ج ١، ص ١٥.