الإيضاح في علوم البلاغة، المعاني و البيان و البديع - خطیب قزوینی - الصفحة ١٤١
و ذهب بعض النحاة إلى جواز حذفهما بغير دليل مع الفائدة، كقولهم: «مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ» [١] و أمّا حذف أحدهما بغير دليل فلا يجوز بالإجماع.
الرّابع: جواز وقوع «أن» و «أنّ» و صلتهما موقع مفعولي هذه الأفعال، كقوله تعالى:
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [٢] و وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. [٣]
تنبيهات
الأوّل: أفعال القلوب كلّها تتصرّف تصرّفاً تامّاً غير «هَبْ» و «تَعَلَّمْ» فيلازمان الأمر، و يعمل ما يشتقّ منها عمل أصله، كقوله تعالى: وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ. [٤]
الثّاني: تختصّ أفعال القلوب [٥] غير «هَبْ» و «تَعَلَّمْ» بجواز كون فاعلها و مفعولها الأوّل ضميرين متّصلين صاحبهما واحد، نحو: «علمتُني فانياً» و «ظَنَنْتَكَ باقياً». [٦]
بخلاف سائر الأفعال، فلا يقال: «ظلمتُني» بل تضاف إلى المفعول كلمة «نفس»، كقوله تعالى: قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. [٧]
الثّالث: قد تعمل في المبتدأ و الخبر أفعال تسمّى ب «أفعال التصيير» [٨] و تنصبهما على أنّهما مفعولان لها بعد استيفاءها الفاعل كأفعال القلوب و هي:
جَعَلَ، رَدَّ، تَرَك، اتَّخَذَ، صَيَّر، وَهَبَ، تَخِذَ، أصَار
[١] . و لا عناية في هذه الصورة إلى مفعولٍ معيّن بل العناية بخصوص الفعل و المراد من المثال هو «من يسمع يحصل له خيال».
[٢] . القيامة (٧٥) : ٣٦.
[٣] . البقرة (٢) : ٢٠٣.
[٤] . هود (١١) : ٢٧.
[٥] . كذا «رأى» الحلمية، أى: الرويا في المنام و البصريّة، كقوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً. (يوسف (١٢) :
٣٦).
[٦] . و قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «أي بُنَيَّ إنِّي لَمّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنَّاً وَ رَأَيْتُنِي أَزدادَ وَهنا بادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ.» (نهج البلاغة، الكتاب ٣١، ص ٩١٢.)
[٧] . النمل (٢٧) : ٤٤.
[٨] . و تدلّ هذه الأفعال على صيرورة المبتدأ و تحوّله بحال الخبر و اتصافه بمعناه و لهذا يقال لها أفعال التصيير و كلّها تتصرّف إلّا «وَهَبَ» فإنّها ملازمة للماضي.