الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١٠٦
باستمرار، حيث يسجل (عليه السلام) الموقف تلو الموقف، بصراحة، لا يجدها عثمان لدى أحد من منتقديه.
وهو يعرف أيضاً: أن العرب إلى الأمس القريب كانوا لا يأمنون جانب بعضهم بعضاً، بل كل منهم يتربص بالآخر ليبطش به ـ في ساعة غفلته، ويستولي على ماله وعرضه وولده، أو ليأخذ ثأره منه إن كان له ثأر عنده.
إن الإجابة على هذا السؤال هي أن هذا الأمن هو نتيجة تلك الثقافة الإيمانية التي جاء بها الإسلام، وفرضها على الناس، حتى أصبحت ثقافة ورؤية، ترعاها قيم أخلاقية وإنسانية، وتفرضها وتحميها شريعة تعاقب الجاني، وتصد المتهور، وعقيدة تجعل من أي عبث بأمن الناس، أو عدوان على سلامتهم أو كرامتهم عدواناً على الله سبحانه.. فإن المؤمن أعز من الكعبة..
٢ ـ أظهرت الرواية المتقدمة: أن تجرُّم عثمان لعلي (عليه السلام) قد بلغ حداً رأى فيه علي (عليه السلام) أنه غير قادر على التأثير في قرار الخليفة بإصلاح الأمور، وتلافي الأخطاء، فأراد (عليه السلام) أن يقاوم هذا الواقع الذي يزداد سوءاً بموقف سلبي، يعرّف الناس: أن الأمور أصبحت ميؤوساً منها، فلعل ذلك يدفع عثمان وبطانته لمعاودة النظر في حسابات الربح والخسارة.
٣ ـ لاحظ عثمان: أن الإمام (عليه السلام)، يتفلت من لقائه، ويطلب الإنصراف.. ولكنه بقي محتفظاً بهدوئه، ملتزماً بفروض المداراة والمجاراة، فقد وصلت الرسالة إلى أهلها، وعليهم أن يتدبروا أمرهم على ضوئها..