مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٢٦٠
وآيات الفرائض، في أوقات مختلفة، كما فلق السماوات والأرض في ستة أيام، وشاء لخلقها في أقل من لمح البصر، ولكنه جعل الأناة والمداراة أمثالا لاُمنائه وإيجاباً للحجة على خلقه، فكان أول ما قيدهم به الاقرار بالوحدانية والربوبية، والشهادة بأن لا إله إلاّ الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالاقرار لنبيه (صلى الله عليه وآله) بالنبوة، والشهادة له بالرسالة، فلما انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة، ثم الصوم، ثم الحج، ثم الجهاد، ثم الزكاة، ثم الصدقات. وما يجري مجراها من مال الفيء، فقال المنافقون هل بقي لربك علينا بعد الذي فرضه، شيء آخر يفترضه فتذكره لتسكن أنفسنا إلى أنه لم يبق غيره، فأنزل الله في ذلك {قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة}[١] يعني الولاية، وأنزل: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُوْلِهِ وَالَّذِيْنَ آمَنُواْ الَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوْنَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُوْنَ}[٢] وليس بين الاُمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد وهو راكع غير رجل واحد، ولو ذكر اسمه في الكتاب لاسقط مع ما اسقط من ذكره، وهذا وما أشبهه من الرموز التي ذكرت لك ثبوتها في الكتاب، ليجهل معناها المحرفون، فيبلغ اليك وإلى أمثالك، وعند ذلك قال: "الله" {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِيْناً}[٣].
وأما قوله للنبي: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[٤] وإنك ترى أهل الملل المخالفة للايمان ومن يجري مجراهم من الكفار مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية، وانه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعاً ونجوا من عذاب السعير، فان الله تبارك وتعالى إنما عنى بذلك أنه جعله سبباً لإنظار أهل هذه الدار; لأن الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض، فكان النبي منهم، إذا صدق بأمر الله وأجابه قومه سلموا
[١] سباء: ٤٦.
[٢] المائدة: ٥٥.
[٣] المائدة: ٣.
[٤] الأنبياء: ١٠٧.