مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٢٥٧
قربه به.
وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره وغير أنبيائه وحججه في أرضه، لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون، من أسقاط أسماء حججه منه، وتلبيهم ذلك على الاُمة ليعينوهم على باطلهم، فأثبت به الرموز، وأعمى قلوبهم وأبصارهم، لما عليهم في تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه، وجعل أهل الكتاب المقيمين به، والعالمين بظاهره وباطنه من {كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثِابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي اُكُلَهَا كُلَّ حِيْن بِإِذْنِ رَبِّهَا}[١] أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت، وجعل أعدائها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، فأبى الله إلاّ أن يتم نوره، ولو علم المنافقون (لعنهم الله) ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها، لأسقطوها مع ما أسقطوا منه، ولكن الله تبارك اسمه ماض حكمه بايجاب الحجة على خلقه، كما قال الله تعالى: {فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ}[٢] أغشى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنّة عن تأمل ذلك، فتركوه بحاله، وحجبوا عن تأكيده الملتبس بابطاله.
فالسعداء ينهبون عليه، والأشقياء يعمون عنه، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوْرَاً فَمَا لَهُ مِن نُّوْر}[٣] ثم إن الله جلّ ذكره لسعة رحمته، ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه، قسّم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلاّ من صفى ذهنه ولطف حسّه وصح تميزه، ممن شرح الله صدره للاسلام، وقسماً لا يعرفه إلاّ الله وأُمناؤه والراسخون في العلم، وإنما فعل الله ذلك لئلا يدّعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) من علم
[١] ابراهيم: ٢٤ ـ ٢٥.
[٢] الأنعام: ١٤٩.
[٣] النور: ٤٠.