مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٢٠٢
من الجنة أتحفك الله بها، وإنها لا تصلح إلاّ لنبي أو وصي نبي، فأكل منها (صلى الله عليه وآله) وأكلنا معه، وإني لأجد حلاوتها ساعتي هذه.
قال له اليهودي: فهذا نوح (عليه السلام) صبر في ذات الله تعالى وأعذر قومه إذ كُذِّب؟ قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) صبر في ذات الله عزوجل فأعذر قومه إذ كُذِّب وشرد، وحُصِب بالحصا، وعلاه أبو لهب بسلا ناقة وشاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال أن شق الجبال وانته إلى أمر محمد! فأتاه فقال له: اني اُمرت لك بالطاعة فان أمرت أن أطبق عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال (صلى الله عليه وآله) إنما بعثت رحمة، ربّ أهد أمتي فانهم لا يعلمون، ويحك يايهودي إن نوحاً لما شاهد غرق قومه رقّ عليهم رقة القرابة وأظهر عليهم شفقة فقال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِن أَهْلِي}[١] فقال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح}[٢] أراد جل ذكره أن يسليه بذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) لما غلبت عليه من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة ولم تدركه فيهم رقة القرابة ولم ينظر اليهم بعين رحمة.
قال اليهودي: فإن نوحاً دعا ربه فهطلت السماء بماء منهمر؟ قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، وكانت دعوته دعوة غضب، ومحمد (صلى الله عليه وآله) هطلت له السماء بماء منهم رحمة; وذلك أنه (صلى الله عليه وآله) لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا: له يارسول الله احتبس القطر واصفر العود وتهافت الورق، فرفع يده المباركة حتى رُئي بياض ابطيه، وما نرى في السماء سحابة، فما برح حتى سقاهم الله، حتى أن الشاب المعجب بشبابه همته نفسه في الرجوع إلى منزله فما يقدر على ذلك من شدة السيل، فدام اسبوعاً، فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: يارسول الله تهدمت الجدر واحتبس الركب والسفر، فضحك (صلى الله عليه وآله) وقال: هذه سرعة ملالة ابن آدم، ثم قال: اللهم حوالينا
[١] هود: ٤٥.
[٢] هود: ٤٦.