سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٥ - الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف و اجتماع الناس له و ما يحمد من ذلك و ما يذم
فهي محدثة غير مذمومة، و قد قال عمر- رضي اللّه تعالى عنه- في قيام رمضان نعمت البدعة هذه. يعني أنها محدثة لم تكن. و إذا كانت فليس فيها ردّ لما مضى.
قلت: و إنما كان كذلك لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حث على قيام شهر رمضان و فعله هو (صلّى اللّه عليه و سلم) و اقتدى به فيه بعض أصحابه ليلة أخرى. ثم ترك النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فعلها بالمسجد جماعة، لما فيه من إحياء هذا الشّعار الذي أمر به الشارع و فعله و الحثّ عليه و الترغيب فيه. و اللّه تعالى أعلم.
فالبدعة الحسنة متفق على جواز فعلها و الاستحباب لها و رجاء الثواب لمن حسنت نيّته فيها، و هي كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها و لا يلزم من فعله محذور شرعي. و ذلك نحو بناء المنابر و الرّبط و المدارس و خانات السبيل و غير ذلك من أنواع البرّ التي لم تعهد في الصّدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف و المعاونة على البر و التقوى. و من أحسن ما ابتدع في زماننا هذا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة «إربل» جبرها اللّه تعالى، كلّ عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من الصدقات و المعروف و إظهار الزينة و السرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و تعظيمه و جلالته في قلب فاعله و شكر اللّه تعالى على من منّ به من إيجاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الذي أرسله رحمة للعالمين (صلّى اللّه عليه و سلم) و على جميع الأنبياء و المرسلين.
و كان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملّا [١] أحد الصالحين المشهورين و به اقتدى في ذلك صاحب إربل و غيرهم (رحمهم اللّه تعالى).
و قال الشيخ الإمام العلامة صدر الدين موهوب بن عمر الجزري [٢] الشافعي (رحمه اللّه تعالى): هذه بدعة لا بأس بها و لا تكره البدع إلا إذا راغمت السّنة، و أما إذا لم تراغمها فلا تكره، و يثاب الإنسان بحسب قصده في إظهار السرور و الفرح بمولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
[١] عمر بن محمد بن خضر الإربلي الموصلي، أبو حفص، معين الدين، المعروف بالملاء: شيخ الموصل. كان صالحا زاهدا عالما. له أخبار مع الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي. أمر الملك العادل نوابه في الموصل أن لا يبرموا فيها أمرا حتى يعلموا به الملّاء. و هو الذي أشار على العادل بعمارة الجامع الكبير في الموصل. و هو المعروف اليوم بالجامع النوري. قال سبط ابن الجوزي: و إنما سمي «الملاء» لأنه كان يملأ تنانير الآجر و يأخذ الأجرة فيتقوت بها، و لا يملك من الدنيا شيئا. و صنف كتاب «وسيلة المتعبدين في سيرة سيد المرسلين». توفي سنة ٥٧٠ ه. انظر الأعلام ٥/ ٦٠، ٦١.
[٢] موهوب بن عمر بن موهوب بن إبراهيم الجزري، ثم المصري، القاضي صدر الدين، أبو منصور. ولد بالجزيرة في جمادى الآخرة سنة تسعين- بتقديم التاء- و خمسمائة. و أخذ عن السخاوي و ابن عبد السلام و غيرهما، قال الذهبي:
و تفقه و برع في المذهب، و الأصول، و النحو، و درس و أفتى و تخرج به جماعة. و كان من فضلاء زمانه. و ولي القضاء بمصر و أعمالها دون القاهرة مدة. و قال غيره: تخرجت به الطلبة و جمعت عنه الفتاوى المشهورة به. توفي بمصر فجأة في رجب سنة خمس و ستين و ستمائة. و دفن بسفح المقطم. انظر الطبقات لابن قاضي شهبة ٢/ ١٥٢، ١٥٣، و شذرات الذهب ٥/ ٣٢٠.