السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٧ - باب استخفائه
أشراف قريش، و قال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، أ تخرجون رجلا يكسب المعدوم، و يصل الرحم، و يحمل الكلّ، و يقري الضيف، و يعين على نوائب الحق و هو في جواري؟ فلم تكذب قريش بجواب ابن الدغنة» أي لم يردّ جواره «و قالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها و ليقرأ ما شاء و لا يؤذنا بذلك و لا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا و أبناءنا، فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، فمكث أبو بكر يعبد ربه في داره و لا يستعلن بصلاته، و لا يقرأ في غير داره، ثم ابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه و يقرأ القرآن، و كان رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فكانت نساء قريش يزدحمن عليه، فأفزع ذلك كثيرا من أشراف قريش» أي مع المشركين «فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يبعد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة و القراءة، و إنا قد خشينا أن يفتن نساؤنا و أبناءنا بهذا، فإن أحب أن يقتصر على عبادة ربه في داره فعل، و إن رأى أن يعلن فاسأله أن يردّ إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك- أي نزيل خفارتك- أي ننقض جوارك و نبطل عهدك، فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، و إما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت: أي أزيلت خفارتي في رجل عقدت له، فقال له أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك و أرضى بجوار اللّه تعالى، قال: و لما رد جوار ابن الدغنة لقيه بعض سفهاء قريش و هو عابر إلى الكعبة فحثى على رأسه ترابا، فمرّ عليه بعض كبراء قريش من المشركين، فقال له أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: أ لا ترى ما صنع هذا السفيه؟ فقال له: أنت فعلت بنفسك، فصار أبو بكر يقول: رب ما أحلمك، قال ذلك ثلاثا انتهى».
أي و في كلام بعضهم: و ينبغي لك أن تتأمل فيما وصف به ابن الدغنة، أبا بكر بين أشراف قريش بتلك الأوصاف الجليلة المساوية لما وصفت به خديجة النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و لم يطعنوا فيها مع ما هم متلبسون به من عظيم بغضه و معاداته بسبب إسلامه، فإن هذا منهم اعتراف: أي اعتراف بأن أبا بكر كان مشهورا بينهم بتلك الأوصاف شهرة تامة، بحيث لا يمكن أحد أن ينازع فيها، و لا أن يجحد شيئا منها، و إلا لبادروا إلى جحدها بكل طريق أمكنهم، لما تحلوا به من قبيح العداوة له بسبب ما كانوا يرون منه من صدق موالاته لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عظيم محبته له.
و مما يؤثر عنه رضي اللّه تعالى عنه: صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، و النكث، و المكر.