السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٩ - باب استخفائه
يزل به حتى خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و من معه من أصحابه إلى المسجد، و قام أبو بكر في الناس خطيبا، و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالس و دعا إلى اللّه و رسوله، فهو أول خطيب دعا إلى اللّه تعالى، و ثار المشركون على أبي بكر و على المسلمين يضربونهم فضربوهم ضربا شديدا، و وطئ أبو بكر بالأرجل و ضرب ضربا شديدا، و صار عتبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين، أي مطبقتين و يحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه، فجاءت بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر و حملوه في ثوب إلى أن أدخلوه منزله، و لا يشكون في موته، أي ثم رجعوا فدخلوا المسجد، فقالوا و اللّه لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة، ثم رجعوا إلى أبي بكر و صار والده أبو قحافة و بنو تيم يكلمونه فلا يجيب، حتى إذا كان آخر النهار تكلم و قال: ما فعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فعذلوه، فصار يكرر ذلك، فقالت أمه و اللّه ما لي علم بصاحبك، فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب: أي فإنها كانت أسلمت رضي اللّه تعالى عنها كما تقدم، و هي تخفي إسلامها فاسأليها عنه، فخرجت إليها و قالت لها، إن أبا بكر يسأل عن محمد بن عبد اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقالت: لا أعرف محمدا و لا أبا بكر، ثم قالت لها: تريدين أن أخرج معك؟ قالت نعم، فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه فوجدته صريعا، فصاحت و قالت إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق، و إني لأرجو أن ينتقم اللّه منهم، فقال لها أبو بكر، ما فعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فقالت له: هذه أمك تسمع، قال: فلا عين عليك منها، أي أنها لا تفشي سرك، قالت سالم، فقال: أين هو؟ فقالت في دار الأرقم، فقال و اللّه لا أذوق طعاما و لا أشرب شرابا أو آتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قالت أمه: فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجل و سكن الناس فخرجنا به يتكئ عليّ حتى دخل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فرق له رقة شديدة، و أكب عليه يقبله، و أكب عليه المسلمون كذلك، فقال: بأبي و أمي أنت يا رسول اللّه، ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي، و هذه أمي برة بولدها، فعسى اللّه أن ينقذها بك من النار، فدعا لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و دعاها إلى الإسلام فأسلمت انتهى.
هذا، و ذكر الزمخشري في كتابه خصائص العشرة أن هذه الواقعة حصلت لأبي بكر لما أسلم و أخبر قريشا بإسلامه فليتأمل، فإنّ تعدد الواقعة بعيد.
و مما وقع لابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه من الأذية أن أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اجتمعوا يوما، فقال: و اللّه ما سمعت قريش القرآن جهرا إلا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فمن فيكم يسمعهم القرآن جهرا؟ فقال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، أنا فقالوا نخشى عليك منهم، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم، فقال: دعوني فإن اللّه سيمنعني منهم. ثم إنه قام عند المقام وقت الشمس و قريش في أنديتهم فقال: