السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٨ - باب استخفائه
و عن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها قالت: «اجتمعت مشركو قريش في الحجر، فقالوا إذا مر محمد فليضربه كل واحد منا ضربة فسمعت فدخلت على أبي فذكرت ذلك له: أي قالت له و هي تبكي، تركت الملأ من قريش قد تعاقدوا في الحجر، فحلفوا باللات و العزى و مناة و إساف و نائلة إذا هم رأوك يقومون إليك فيضربونك بأسيافهم فيقتلونك فقال (صلى اللّه عليه و سلم): يا بنية اسكتي، و في لفظ: لا تبكي، ثم خرج (صلى اللّه عليه و سلم) أي بعد أن توضأ فدخل عليهم المسجد، فرفعوا رءوسهم ثم نكسوا فأخذ قبضة من تراب فرمى بها نحوهم، ثم قال: شاهت الوجوه فما أصاب رجلا منهم إلا قتل ببدر».
أي و كان بجواره (صلى اللّه عليه و سلم) جماعة منهم أبو لهب و الحكم بن أبي العاص بن أمية والد مروان و عقبة بن أبي معيط فكانوا يطرحون عليه (صلى اللّه عليه و سلم) الأذى فإذا طرحوه عليه أخذه و خرج به و وقف على بابه و يقول: يا بني عبد مناف أيّ جوار هذا ثم يلقيه في الطريق، و لم يسلم ممن ذكر إلا الحكم و كان في إسلامه شيء. و تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) نفاه إلى وج الطائف، و أنه سيأتي السبب في نفيه، و أشار صاحب الهمزية إلى أن هذه الأذية له (صلى اللّه عليه و سلم) لا يظن ظانّ أنها منقصة له (صلى اللّه عليه و سلم)، بل هي رفعة له، و دليل على فخامة قدره و علو مرتبته و عظيم رفعته و مكانته عند ربه، لكثرة صبره و حلمه و احتماله مع علمه باستجابة دعائه و نفوذ كلمته عند اللّه تعالى و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم): «أشد الناس بلاء الأنبياء» و ذلك سنة من سنن النبيين السابقين عليهم الصلاة و السلام بقوله:
لا تخل جانب النبي مضاما* * * حين مسته منهم الأسواء
كل أمر ناب النبيين فالش* * * دة فيه محمودة و الرخاء
لو يمس النضار هون من النا* * * ر لما اختير للنضار الصلاء
أي لا تظن أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حصل له الضيم وقت مسته الأذيات حالة كونها صادرة منهم، لأن كل أمر من الأمور العظيمة التي أصابت النبيين فالشدة التي تحصل لهم منه محمودة، لأنها لرفع الدرجات، و الضيقة التي تحصل لهم أيضا محمودة، لأنه لو كان يمس الذهب هوان من إدخاله النار لما اختير له العرض على النار، فالأنبياء عليهم الصلاة و السلام كالذهب و الشدائد التي تصيبهم كالنار التي يعرض عليها الذهب، فإن ذلك لا يزيد الذهب إلا حسنا، فكذلك الشدائد لا تزيد الأنبياء إلا رفعة.
قال: و مما وقع لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه من الأذية، ما ذكره بعضهم «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما دخل دار الأرقم ليعبد اللّه تعالى و من معه من أصحابه فيها سرا أي كما تقدم، و كانوا ثمانية و ثلاثين رجلا ألحّ أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الظهور. أي الخروج إلى المسجد- فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم