المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٥٥ - ٧٣٣- عبد اللَّه السفاح، أبو العباس
الكتاب، و إذا أخذتها و استحلفت الناس عليها بمؤكدات الأيمان فانع إليهم أمير المؤمنين و جهزه، و تولّ الصلاة عليه و انصرف في حفظ اللَّه و تأهب لركوبك، فقلت: يا أمير المؤمنين، هل وجدت علة، فقال: يا عم، و أي علة هي أقوى و أصدق من الخبر الصادق عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم، فأخذت الكتاب و نهضت، فما مشيت إلا خطأ حتى هتف بي [هاتف] [١] يأمرني بالرجوع، فرجعت، فقال لي: إن اللَّه قد ألبسك كمالا و أكره أن يحطك الناس فيه، و كتابي الّذي في يدك مختوم، و سيقول لك من يحسدك على ما جرى على يديك من هذا الأمر الجليل انك إنما وفيت للمسمى في هذا الكتاب، لأن الكتاب كان مختوما و قد رأى أمير المؤمنين أن يدفع إليك خاتمه ليقطع بذلك ألسنة الحسدة عنك، فخذ الخاتم، فو اللَّه ما كذبت و لا كذبت، فانصرفت و تأهبت للركوب، و ركبت و ركب معي الناس حتى صليت بأهل العسكر و نحرت و انصرفت إليه، فسألته عن خبره فقال:
خبر من يموت لا محالة، فقلت: يا أمير المؤمنين، وجدت شيئا؟ فأنكر عليّ قولي و كشر في وجهي و قال: يا سبحان اللَّه، أقول لك إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم قال إنه يموت، و تسألني عما أجد، لا تعد لمثل هذا ثم دخلت إليه عشية يوم العيد، و كان أحسن من عاينته عيناي وجها، فرأيته و قد حدثت في وجهه وردية لم أكن أعهدها فزادت وجهه جمالا، ثم بصرت بإحدى وجنتيه حبة مثل حبة الخردل، بيضاء، فارتبت بها، ثم صوبت نظري إلى الوجنة الأخرى فوجدت فيها حبة أخرى، ثم أعدت نظري إلى الوجنة التي عاينتها بدئا فرأيت الحبة قد صارت اثنتين، ثم لم أزل أرى الحب يزداد حتى رأيت في كل جانب من وجنتيه مثل الدينار مقدارا حبا أبيض صغارا، فانصرفت و هو على هذه الحالة، و غلست غداة اليوم الثاني من أيام التشريق، فوجدته قد هجر و ذهبت عنه معرفتي و معرفة غيري، فخرجت إليه بالعشي فوجدته قد صار مثل الزق المنفوخ، و توفي في اليوم الثالث من أيام التشريق، فسجيته كما أمرني، و خرجت إلى الناس و قرأت عليهم الكتاب، و كان فيه:
من عبد اللَّه أمير المؤمنين إلى الرسول و الأولياء و جميع المسلمين. أما بعد، فإن أمير المؤمنين قد قلد الخلافة بعده عليكم أخاه، فاسمعوا له و أطيعوا، و قد قلد الخلافة من بعد عبد اللَّه عيسى بن موسى إن كان. ثم أخذت البيعة على الناس و جهزته و صليت عليه و دفنته في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست و ثلاثين و مائة.
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت و تاريخ بغداد.