المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٧ - و في هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين
و أومضك، و إما أن تضع تاجك، و تلبس أمساحك، و تعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا كان السحر فاقرع علي بابي، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا تعصى [و جليسا لا يقصى] [١]، و إن اخترت خلوات الأرض و [قعر] [١] البلاد كنت رفيقا لا يخالف.
فلما كان السحر قرع عليه بابه، فإذا هو قد وضع تاجه و لبس أمساحه و تهيأ للسياحة، فلزما و اللَّه الجبل حتى أتتهما آجالهما، و ذلك حيث يقول أخو بني تميم عدي بن زيد العبادي [٢]:
أيها الشامت المعير بالدهر * * * أ أنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيام * * * بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم من * * * ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبو * * * ساسان أم أين قبله سابور
و بنو الأصفر الكرام ملوك * * * الروم لم يبق منهم مذكور
و أخو الحصن إذ بناه و إذ دجلة * * * تجبى إليه و الخابور
شاده مرمرا و جلله كلسا * * * فللطير [٣] في ذراه و كور
لم تهبه ريب المنون فباد * * * الملك عنه فبابه مهجور
و تأمل رب الخورنق إذ أشرف * * * يوما و للهدى تفكير
سره ماله و كثرة ما يملك * * * و البحر معرض و السدير
فارعوى قلبه و قال و ما غبطة * * * حي إلى الممات يصير
ثم بعد الإفلاح و الملك و * * * الأمة وارتهم هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورق جف * * * فألوت به الصّبا و الدبور
قال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته و بل عمامته و أمر بنزع أبنيته و بنقلان قرابته و أهله و حشمه و غاشيته من جلسائه، و لزم [٤] قصره. قال: فاجتمعت الموالي و الحشم على خالد بن صفوان فقالوا: ما أردت بأمير المؤمنين، نغصت عليه لذته، و أخذت عليه
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٢] ديوان عدي: ٨٧- ٩٠.
[٣] في الأصل: «و جلله كلسا فما للطير». و التصحيح من ت و الديوان.
[٤] في الأصل: «و لزوم». و ما أوردناه من ت.