موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٩
فما لم يرتبط الإنسان باللّه ويتعلّق به، لا يتحرّر من علائق ذاته، وما لم يتحرّر من ذاته لا يمكنه حبّ الآخر حقيقة ، من هنا جاء في الحديث القدسي: يابنَ آدَمَ، كُلٌّ يُريدُكَ لِأَجلِهِ ، وأَنَا اُريدُكَ لِأَجلِكَ. [١] أجل، إنّ كلّ من يخاطبك بقوله: أنا اُحبّك، فإنّما يريدك لتأمين حاجته وتحقيق منفعته، ويبقى وحده سبحانه الغنيّ الذي يريد الإنسان للإنسان لا لنفسه. كلّما اقترب الإنسان من الغنيّ المطلق تضاءلت احتياجاته وصار وجوداً ربّانياً، ومن ثَمّ لم يعد يتحرّك في حبّه وبغضه بدافع توفير احتياجاته، إنّما يفعل ذلك طاعةً لأمر اللّه ومن أجل التقرّب إليه أكثر . على هذا الأساس كلّما ابتعد الإنسان عن محور الذات وصار قريباً إلى اللّه ، استطاع أن يحبّ الآخرين حبّاً حقيقيّاً بالقدر ذاته. عند هذه النقطة ينكشف سرّ تركيز الإسلام على الاُخوّة في اللّه والحبّ في اللّه ؛ هذا السرّ الذي يفصح عن نفسه في الحقيقة التي تفيد أنّ مَن حبّه للّه هو وحده الذي بمقدوره أن يُكِنّ الحبّ للإنسان، وأن يكون مدافعاً حقيقياً عن الناس. ففلسفة فشل الماركسية وهزيمتها في شعار الدفاع عن الجماهير، إنّما تكمن في الحقيقة التي تفيد بأنّ الدفاع الحقيقيّ عن الجماهير أمر متعذّر من دون التوجّه إلى الخالق ، فمن لم يكن باعثه إلى الحبّ إلهيّاً لا يستطيع أن يهمل منافعه الذّاتية ويسقطها من الحساب، والحبّ الذي يُبتَنى على أساس الأنانية والمصالح الذّاتية، في الحقيقة ليس حبّاً للآخر، بل إنّه ضرب من الأنانية بلباس الدفاع عن الجماهير ، وهذا الضرب من الحبّ يدور مدار دوام الانتفاع بالمحبوب ويزول بزواله ، فما إن يعجز المعشوق عن تأمين حاجات العاشق وإشباعها حتّى تنقطع المحبّة، وربّما تبدّلت إلى العداء ، من هذا المنطلق جاء تركيز النصوص الإسلامية، من أنّ الحبّ
[١] المواعظ العددية : ص ٤٢٠ عن الإمام عليّ عليه السلام نقلاً عن التوراة .[٢] الزخرف : ٦٧ .