موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٤
الإسلام استطاع من خلال هذا المنهج استيعاب الغرور الفطري للإنسان واحتوائه وتوجيهه، ومن ثَمّ استطاع أن يؤمّن له منافعه الواقعية وما يرنو إليه على المدى البعيد ، فالإنسان الذي يعيش الإيثار ويمارسه إنّما يبني ذاته ويُحسن لنفسه ويُؤمّن مصالحه الحقيقية الدائمة ، وبتعبير القرآن الكريم : «إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ» . [١] على عكس ذلك تماما تأتي الحصيلة في مناخات الثقافة المادّية ؛ فالمادّيون والأنانيون المستأثرون يضعون مصيرهم في مهبّ الريح ويعرّضون أنفسهم للضياع ويخسرون منافعهم الحقيقية الدائمة ويبدّدونها ، وبحسب التصوير القرآني النافذ لهذه الحالة ؛ أنّ هؤلاء ينسون أنفسهم ويخسرونها بنسيانهم اللّه : «نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ» . [٢] على هذا الضوء ، فإنّ اتّساع ثقافة الإيثار واطّرادها داخل المجتمع لا يهدّد المنافع الشخصية للمؤثرين فحسب ، بل يحوّلهم إلى أحبّاء للّه [٣] وللناس [٤] ، ويؤهّلهم إلى نيل أفضل ضروب الحياة وأسماها في عالَم الآخرة ودار الخلود [٥] ؛ فضلاً عن النتائج الموضوعية التي يحقّقها في الواقع الخارجي متمثّلة باجتناب مناشئ الفساد الاجتماعي واستئصالها ، ومن ثَمّ تأمين المنافع المادّية والمعنوية للمجتمع الإنساني. لقد أوجز القرآن الكريم في خاتمة آية الإيثار، البركات الفردية والاجتماعية لهذه الخصلة الكريمة في جملة واحدة، وهو يسجّل:
[١] الإسراء : ٧.[٢] الحشر: ١٩.[٣] راجع : ح ٣ و ٤.[٤] راجع: ح ٤٤.[٥] راجع : ص ١٢٢ (الدخول في أعلى مراتب الجنّة).