موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦
المرحلة الثالثة : معرفة لطائف القرآن
عندما تتكشّف دقائق القرآن ولطائفه في هذه المرحلة من مراحل المعرفة القرآنية، تنبثق الأرضية المناسبة وتتهيّأ الأجواء لاستنتاج معارفه السامية وبلوغ ثماره اليانعة ، بيد أنّ هذه المرتبة المعرفية على خطّ الانتفاع بمعارف القرآن هي ممّا يختصّ بأولياء اللّه ، على ما نوّه إليه الإمام السجّاد عليه السلام ، بقوله: «وَاللَّطائِفُ لِلأَولِياءِ».
خصائص العارفين بلطائف القرآن
في سياق بيانه لخصائص أولياء اللّه العارفين بلطائف القرآن، يقول الإمام عليّ عليه السلام : إنَّ أولِياءَ اللّه ِ هُمُ الَّذينَ نَظَروا إلى باطِنِ الدُّنيا إذا نَظَرَ النّاسُ إلى ظاهِرِها، وَاشتَغَلوا بِآجِلِها إذَا اشتَغَلَ النّاسُ بِعاجِلِها، فَأَماتوا مِنها ما خَشوا أن يُميتَهُم، وتَرَكوا مِنها ما عَلِموا أنَّهُ سَيَترُكُهُم، ورَأَوُا استِكثارَ غَيرِهِم مِنهَا استِقلالاً، ودَرَكَهُم لَها فَوتاً. أعداءُ ما سالَمَ النّاسُ، وسَلمُ ما عادَى النّاسُ. بِهِم عُلِمَ الكِتاب وبِهِ عَلِموا، وبِهِم قامَ الكِتابُ وبِهِ قاموا، لا يَرَونَ مَرجُوّاً فَوقَ ما يَرجونَ، ولا مَخوفاً فَوقَ ما يَخافونَ. [١] تُبرز الصيغ التعبيرية في النصّ: «بِهِم عُلِمَ الكِتابُ وبِهِ عَلِموا، وبِهِم قامَ الكِتابُ وبِهِ قاموا» الدورَ الأساسي الذي ينهض به الحديث في مضمار المعرفة الدينية، على نحو جليّ ، وفي هذه المرحلة من المعرفة القرآنية تغدق عملية تآصر القرآن والحديث بثمارها، ويعطي الترابط بينهما معطياته المرجوّة. وهذه الحصيلة لا تعني أنّ القرآن بدون الحديث مبهم لا يمكن الانتفاع به، على ما ذهب إليه تيار من الأخباريين، بل هي تعني أنّه لا يمكن بلوغ الصياغة النهائية لمعارف القرآن وعطاياه
[١] نهج البلاغة: الحكمة ٤٣٢ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ١٦٠ ح ٣٤٣٦ ، بحار الأنوار: ج ٦٩ ص ٣١٩ ح ٣٦ وراجع حلية الأولياء : ج ١ ص ١٠ وتاريخ دمشق : ج ٤٧ ص ٤٦٦ والدرّ المنثور : ج ٤ ص ٣٧٠ .