موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٤٣
٥ . دور الإخاء الديني في تأسيس الحكومة الإسلامية
تكشف النصوص التي يستوعبها هذا القسم، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله بادر للمؤاخاة بين أصحابه وأنصاره مرّتَين؛ مرّة في مكّة قبل الهجرة، والثانية في المدينة بعد الهجرة، حيث اتّخذ من المؤاخاة وسيلة لترسيخ الانسجام بين أتباعه. لقد كان لهذه المبادرة السياسية الإلهية دورها الأساسي العميق في تأسيس أوّل حكومة إسلامية، خاصّة بعد هجرة المسلمين إلى المدينة ، فقد تجاوبت هذه المبادرة مع التحدّيات التي كانت تحيط بالمجتمع الإسلامي؛ هذا المجتمع الذي كان يواجه من جهة خطر الشرك القرشي وعبدة الأصنام عامّة، كما كان يتهدّده من جهة اُخرى خطر يهود المدينة ممّن يعيش في داخلها وخارجها، بخاصّة مع ما كان يتمتّع به هؤلاء من ثروة وإمكانات كبيرة، ثمّ كانت هناك التحديات الناشئة عن الداخل الإسلامي نفسه، فيما كان يعانيه المجتمع الإسلامي الجديد من فرقة وتفكّك وتقاطع ، خذ على سبيل المثال حالة العداء والضغينة التي كانت تضرب بأطنابها بين قبيلتي الأوس والخزرج، فضلاً عن الاختلافات الثقافية والفكرية التي ترمي بظلالها على البناء الاجتماعي للمهاجرين والأنصار. في مناخ مثقل بهذه المؤثّرات، نزلت آية الاُخوّة: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» . [١] حيث بادر رسول اللّه صلى الله عليه و آله مستلهماً الوحي الإلهي، وبصفته سياسياً متضلّعاً وقائداً محنّكاً؛ إلى طرح ميثاق الإخاء الديني بين المسلمين مجدّداً ، فآخى بين المهاجرين والأنصار، ووظّف معطيات هذا المبدأ الربّاني في نَسج الوحدة السياسية والمعنوية في المجتمع الجديد، فتغلّب على معضلة الاختلافات الداخلية عن هذا السبيل، وأرسى دعائم أوّل حكومة إسلامية ورسّخ بُناها التكوينية من خلال
[١] الحجرات : ١٠ .